صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح |
يكن بيننا واسطة كذا ذكره الطيبي والأظهر أن معناه لم يكن أحد حاضرا غيري معه كما يدل عليه حدثني وكذا قوله في فإنه لو كان أحد غيره لجاز أن يرويه فلا يكون التحديث منحصرا من فمه إلى فمه فقط قال أي أبو سفيان انطلقت أي سافرت في المدة أي في مدة الصلح التي كانت بيني وبين رسول الله يعني صلح الحديبية ذكره النووي وكان سنة ست ومدتها عشر سنين لكنهم نقضوا العهد بقتل بعض خزاعة من حلفائه فغزاهم سنة ثمان وفتح مكة قال أي أبو سفيان فبينا أنا بالشام أي من أهل المقام إذ جيء بكتاب من النبي إلى هرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف وهذا هو المشهور على ما في شرح مسلم وفي نسخة بكسر الهاء والقاف وسكون الراء وهو غير منصرف للعجمة والعلمية وهو ملك الروم ولقبه قيصر وهو أول من ضرب الدنانير وأول من أحدث البيعة على ما في القاموس قال أي أبو سفيان وكان دحية الكلبي بكسر الدال ويفتح جاء به أي بالكتاب فدفعه إلى عظيم بصرى أي أميرها وهي بضم الموحدة مقصورة قرية بين المدينة ودمشق الشام فدفعه عظيم بصري إلى هرقل فقال هرقل هل هنا أي في أرض الشام أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يعني لكي نسأل عن وصفه ليتبين لنا صدقه من كذبه قالوا أي بعض خدمه وحشمه نعم فدعيت في نفر أي مع نفر من قريش وكانوا ثلاثين رجلا وقيل المغيرة بن شعبة منهم وفيه أنه سبق إسلامه لأنه أسلم عام الخندق فيبعد أن يكون حاضرا وسكت مع كونه مسلما قلت وقد يقال إنه لم يذكر فيه ما ينافي سكوته فدخلنا على هرقل فأجلسنا بصيغة المفعول وفي نسخة على بناء الفاعل أي أمر هرقل بجلوسنا بين يديه أي قدامه ليسمع كلامنا ونسمع كلامه فقال أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال العلماء وإنما سأل قريب النسب لأنه أعلم بحاله وأبعد من أن يكذب في حقه قال أبو سفيان فقلت أنا أي أقرب نسبا منه فأجلسوني بين يديه أي وحدي واجلسوا أصحابي خلفي وإنما أجلسهم خلفه ليكون أعون عليهم (17/63)
في تكذيبه إن كذب ولا يستحيوا منه أو ليمكن لهم أن يشيروا إليه ويدلوا عليه بما هنالك أما بإيماء يد أو بتحريك رأس ونحو ذلك ولا يبعد أنه قصد في تقريبه تعظيمه لكونه أقرب في النسب على ما يقتضيه الأدب ثم دعا بترجمانه بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما والفتح أفصح وسبق أنه يجوز فتحهما وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى ثم الباء زائدة والتقدير دعا أحدا بإحضار ترجمانه فحضر فقال قل لهم أي لأصحاب أبي سفيان إني سائل هذا وفي نسخة (17/64)
بالإضافة والمعنى أني أريد أن أسأل أبا سفيان عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي أي عن وصفه فإن كذبني بتخفيف الذال أي فإن تكلم بالكذب لي فكذبوه بالتشديد أي فانسبوه إلى الكذب ولا تسكتوا على الباطل وأعلموني بالحق قال أبو سفيان وأيم الله بهمزة وصل ويقطع وبضم ميم وتحقيقه تقدم وهو قسم لولا مخافة أن يؤثر بصيغة المجهول أي يروى علي الكذب بفتح فكسر وفي نسخة بكسر فسكون والمعنى لولا خوف أن ينقلوا عني الكذب إلى قومي ويتحدثوا به لكذبته أي لكذبت عليه لبغضي إياه قال الطيبي وإنما عداه بعلي لتضمن معنى المضرة أي كذب يكون على لا لي وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية كما هو قبيح في الإسلام أقول الظاهر أن معناه لولا مخافة أن يكذبني هؤلاء الذين معي لكذبته في تكذيبه في بعض كلامي لتحصيل مرامي ثم قال لترجمانه سله كيف حسبه فيكم الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ذكره الجوهري فهو أعم من النسب ولذا عدل عنه إليه قيل وفي البخاري كيف نسبه فيكم وفي جامع الأصول كيف حسبه قال قلت هو فينا ذو حسب أي عظيم فإن رسول الله هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأنا أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وليس في النفر يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري قال فهل كان من آبائه أي بعض أجداده وأسلافه وفي نسخة في آبائه أي في جملتهم من ملك أي من سلطان وفي نسخة من موصولة وملك بصيغة الماضي أي من كان ملكا قال بعض المحققين هو هكذا بحرف الجر وملك صفة مشبهة وهو رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر في نسخة وأبو ذر عن الكشميهني من ملك على أن من موصولة وملك فعل ماض ولأبي ذر كما في الفتح من آبائه ملك بإسقاط من والأول أشهر قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بتشديد التاء الثانية أي تنسبونه إلى التهمة بالكذب أي بإيقاعه قبل أن يقول ما قال أي من دعوى النبوة قلت لا قال ومن بالواو يتبعه بسكون التاء وفتح الباء وفي نسخة (17/65)
بتشديد الفوقية وكسر الموحدة أشراف الناس أي أشرافهم أم ضعفاؤهم قال الطيبي وفي الحميدي وجامع الأصول فهل يتبعه وأم ههنا متصلة وفي وقوعها قرينة لهل إشكال لأن هل تستدعي السؤال عن حصول الجملة وأم المتصلة تستدعي حصولها لأن السؤال بها عن تعيين أحد المنتسبين مسندا ومسندا إليه والظاهر ما في صحيح مسلم وشرحه والمشكاة (17/66)
فمن تبعه فتكون همزة الاستفهام مقدرة في قوله أشراف الناس فسأل أولا مجملا ثم سأل ثانيا مفصلا قال قلت بل ضعفاؤهم المراد بالأشراف أهل النخوة والتكبر لا كل شريف وإلا لورد مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ممن أسلم قبل سؤال هرقل كذا ذكره بعضهم وتعقبه العيني بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة فقول أبي سفيان جرى على الغالب قال أيزيدون أي بزيادة أمثالهم أم ينقصون أي برجوع بعضهم إلى أدبارهم أو يموت بعضهم من غير جبرهم لكسرهم قلت لا أي لا ينقصون أبدا بل يزيدون أي دائما قال هل يرتد أي يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه أي بطيب نفسه سخطة بفتح السين ويضم وسكون الخاء المعجمة أي كراهة وتعييبا له أي لدينه وهي مفعول له وخرج به من ارتد مكرها أو لحظ نفساني قال قلت لا قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قال قلت تكون بالتأنيث ويذكر الحرب أي المحاربة بيننا وبينه سجالا بكسر أوله أي مساجلة ومداولة يصيب منا ونصيب منه أي هو ينال هنا مرة لغلبته ونحن ننال منه أخرى لغلبتنا فهو تفسير لقوله سجالا وقد قال تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس آل عمران وقال الشاعر فيوما علينا ويوما لنا ويوما نسر ويوما نساء قال الطيبي وأصله من السجل الذي هو الدلو لأن لكل واحد من الواردين دلوا مثل ما للآخر أو لكل واحد منهم يوم في الاستقاء ومعناه أن الحرب دول تارة له وتارة عليه وقال غيره السجال جمع سجل وهو الدلو الكبير والحرب اسم جنس فصح الإخبار عنه بالجمع وفيه تشبيه بليغ أي الحرب نوب نوبة لنا ونوبة له فقد
وقعت المقاتلة بينه وبينهم قبل هذه القصة في ثلاث مواطن بدر وأحد والخندق فأصاب المسلمون من المشركين في بدر وعكس في أحد وأصيب من الطائفتين ناس قليل في الخندق فصدق أبو سفيان في كلامه سجالا على أنه لا يلزم منه التساوي قال فهل يغدر بكسر الدال من الغدر وهو نقض العهد وخلاف الوعد قلت لا أي ما وقع منه غدر فيما مضى ونحن منه أي على خطر في هذه المدة أي مدة الهدنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية لا ندري ما هو أي النبي أو الله تعالى صانع فيها أي أيغدر في مدة هذا الصلح أم لا قال أي أبو سفيان والله ما أمكنني من كلمة أي ما قدرت على كلمة والمراد بها جملة مفيدة أدخل فيها أي في أثناء كلماتي شيئا أي مما يطعن فيه في الجملة غير هذه أي غير هذه الجملة التي فيها يجوز احتمال الغدرة في مدة الهدنة قال فهل قال هذا القول أي من أمر النبوة ودعوى الرسالة (17/67)
أحد قبله أي ممن سبقه من غير الأنبياء المعروفين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى عليهم السلام قلت لا ثم قال أي بعد ما فرغ من الأسئلة الدالة على النبوة والرسالة وأراد أن يشرع في تبيين توجيهاتها من جهة المنقول والمعقول والعرف والعادة قال لترجمانه قل له إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أي فأجبت أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها أي توقع بعثتهم في أحساب أقوامهم فتعديته بفي لتضمين معنى الإيقاع ويمكن أن يكون في بمعنى من على ما جوزه صاحب القاموس والمغنى وهو ظاهر جدا يعني عما تكلف له الطيبي لقوله هو من باب التجريد أي يبعث وهو ذو حسب وهو كقولك في البيضة عشرون رطلا وهي في نفسها هذا المقدار قيل والحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له ولا يخفى أن هذا القول إنما يستفاد من النقل ويساعده العقل وسألتك هل كان في آيائه ملك أي في جملتهم أحد من الملوك ولو روي بضم الميم لكان له وجه فزعمت أن لا فقلت أي في نفسي بمقتضى رأيي لو كان من آبائه ملك أي لو كان ظهر منهم سلطان قلت رجل يطلب ملك آبائه أي سلطنتهم وهذا دليل عقلي لا يخالفه نقل وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أي أفقراء الناس وأهل خمولهم أم أشرافهم أي أغنياؤهم وأهل خيولهم فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل أي ابتداء كما هو المشاهد في أتباع العلماء والأولياء قال النووي وأما قوله إن الضعفاء هم أتباع الرسل فلكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع اللام لام الجحود أي ليترك الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله أي فإن من المعلوم عند كل أحد أن الكذب على الله أقبح وأشد ولذا قال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا الأنعام وسألتك هل يرتد أحد عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة (17/68)
له فزعمت أن لا وكذلك بالواو والظاهر أن يقال فكذلك أي لا يخرج ولا يرجع الإيمان إذا خالط بشاشته بفتح الموحدة أي أنسه وفرحه القلوب أي فإن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في الأباطيل ذكره النووي وقد عبر عن البشاشة تارة بالطعم وأخرى بالحلاوة فإن من ذاق لذة شيء أحبه لا محالة ومن لم يذق لم يعرف ومن مشرب العارفين لم يغرف ولذا قال بعض (17/69)
المشايخ إنما رجع من رجع من الطريق يعني فمن وصل مع الفريق إلى الرفيق في الأمن الداخل في البيت العتيق وقد قال شيخ مشايخنا أبو الحسن البكري قدس الله سره السري الإيمان إذا دخل القلب أمن السلب قلت ولعل الإشارة إلى هذا المعنى والدلالة على هذا المبنى في قوله سبحانه وتعالى فمن يكفر بالطاغوت أي بما سوى الله ويؤمن بالله أي حق الإيمان وحق نية فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها البقرة أي لا انقطاع ولا انفصال ولا اتحاد ولا اتصال وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ولعله ترك الواسطة وهي المساواة للإشارة إلى أن من لم يكن في الزيادة فهو في النقصان لأن التوقف منفي في طور الإنسان فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان أي يزيد بنفسه وأهله حتى يتم أي يكمل بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها ولذا نزل في آخر عمره اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي المائدة إنجازا لما وعده سبحانه بقوله يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره التوبة ونحن بحمد الله إلى الآن بعد مضي الألف من الزمان في زيادة الإيمان تحت أشعة أنواره وفي بركة لمعان أسراره المستفادة من أخباره والمستفاضة من آثاره وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم فاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه أي يصيب منكم وتصيبون منه وكذلك الرسل تبتلى وفيه ايماء إلى أن الدار دار ابتلاء ولذا قال بعض العارفين ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار وقد قال تعالى وفي ذلكم
بلاء من ربكم عظيم الأعراف وفسر البلاء بالمحنة والمنحة فهو من الأضداد الحاصل للعباد والغالب أن البلاء لأهل الولاء كما أشار إليه بقوله أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم تكون لها أي للرسل وأتباعها العاقبة أي المحمودة قال تعالى والعاقبة للتقوى طه والآخرة خير وأبقى الأعلى قال النووي يعني نبتليهم في ذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذل وسعهم في طاعة الله وسألتك هل يغدر فزعمت أنه أي النبي أو الشأن لا يغدر يعني والأصل بقاء الشيء على ما هو عليه كما هو مقرر في مسألة الاستصحاب ولهذا أعرض عن الجملة المدخولة المعلولة وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم أي هو رجل اقتدى بقول قيل قبله قال أي أبو سفيان ثم قال بما (17/70)
يأمركم بصيغة الجمع تغليبا أو التفاتا ولذا عدل عن قوله قلت إلى قوله قلنا يأمرنا بالصلاة والزكاة أي بالعبادة المالية والبدنية والصلة أي صلة الرحم وكل ما أمر الله به أن يوصل والعفاف بفتح العين أي الكف عن المحارم وكل ما يخالف المكارم قال إن يك ما تقول حقا فإنه نبي في شرح مسلم قال العلماء قول هرقل إن يك ما تقول حقا فإنه نبي أخذه من الكتب القديمة ففي التوراة هذا ونحوه من علامات رسول الله فعرفه بالعلامات وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة وهكذا قاله المازري وقال الشيخ أكمل الدين ومع هذا لم يؤمن ولم ينتفع بتلك المعرفة فإنه هو الذي جيش الجيوش على أصحاب رسول الله وقاتلهم ولم يقصر في تجهيز الجيش عليهم من الروم وغيره كرة بعد كرة فيهزمهم الله ويهلكهم ولم يرجع إليه منهم إلا أقلهم واستمر على ذلك إلى أن مات وقد فتح أكثر بلاد الشام ثم ولي بعده ولده وبهلاكه هلكت المملكة الرومية قلت يعني الرومية الجاهلية ثم انقلبت لهم المملكة الإسلامية بالغلبة والشوكة الإيمانية حتى أقامهم الله لمقاتلة الطائفة النصرانية ولمقابلة الرافضة الكفرانية وقاموا بخدمة الحرمين الشريفين من عمارتهما وخيراتهما ومبراتهما في البلدين المنيفين وإرسال أمراء الحاج من كل فج عميق لا من الطريق الواصل إلى البيت العتيق مع ما فيهم من تعظيم الشريعة وتكريم العلماء واحترام المشايخ والأولياء فجزاهم الله أحسن الجزاء ونصرهم على جميع الأعداء إلى يوم النداء هذا ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ولا حول ولا قوة إلا بالله فما أعقله لو معقوله أكمله لكن ما ساعده لعدم السعادة الأزلية ووجود الشقاوة الأبدية والسبب في ذلك طمع الرياسة وظهور الكمال والميل إلى وصول المال وحصول المنال والغفلة عن المآل وما يؤدي إلى النكال ولذا قال وقد كنت أعلم أي علما يقينا أنه أي النبي خارج أي ظاهر في آخر الزمان ولم أك أظنه منكم (17/71)
أي من نسل إسماعيل وهو أبو العرب بل كنت أظنه أنه منا معشر بني إسحاق فإن أكثر الأنبياء بعد إبراهيم عليه السلام منهم وهذه حجة داحضة وبلية غامضة فإن الظن لا يغني من الحق شيئا وما يتبع أكثرهم إلا ظنا والحق أن يتبع ولو أني أعلم أني أخلص بضم اللام أي أصل إليه أي إلى خدمته ودولته وحضرة رؤيته لأحببت لقاءه أي دولة ملاقاته وسعادة متابعته ولو كنت عنده أي ولو صرت في مقامه ووصلت إلى موضع قيامه لغسلت أي وجهي عن قدميه أي غسلا صادرا عن ماء أقدامه لما أرى له من الثبات على الحق وإقدامه أو التقدير غسلت الغبار والوسخ عن قدميه فضلا عن تقبيل يديه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي بالتشديد للتثنية المنبئة عن المبالغة والتأكيد قال النووي ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي وإنما شح بالملك ورغب في الرياسة فآثرها على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة وقال شيخ مشايخنا الحافظ جلال (17/72)
الدين السيوطي اختلف في إيمانه والأرجح بقاؤه على الكفر ففي مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي إني مسلم فقال النبي كذب بل هو على نصرانيته قلت ليس فيه نص على موته بالكفر وإنما رجح بناء على الأصل ثم دعا بكتاب رسول الله فقرأه أي فعظمه وبالغ في محافظته فصار سببا لبقاء الملك في ذريته بخلاف كسرى حيث شقه ومزقه فمزق الله ملكه وفرق ولده وأخرج الله عنهم ملكه قال سيف الدين أرسلني ملك العرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها وعرض علي الإقامة فأبيت فقال لأتحفنك بتحفة سنية فأخرج من صندوقه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتابا قد زال أكثر حروفه فقال هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن وقد أوصانا بأنه ما دام عندنا لا يزول الملك منا فنحن نحفظه ليدوم الملك لنا ذكره أكمل الدين متفق عليه وقد سبق تمام الحديث وهو أنه كتب إليه في باب الكتابة إلى الكفار
باب في المعراج (17/73)
العروج هو الذهاب في صعود قال تعالى تعرج الملائكة والروح المعارج والمعراج بالكسر شبه السلم مفعال من العروج بمعنى الصعود فكأنه آلة له وقيل بل هو آلة وفرق بينه وبين الإسراء كما بينته في رسالتي المسماة بالمدراج للمعراج وإنما سميت ليلة المعراج لصعود النبي فيها إلى السماء وفي شرح السنة قال القاضي عياض اختلف الناس في الإسراء برسول الله فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده فمن طالعها وبحث عنها فلا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل وقيل ذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا وقال الحربي كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة وقال الزهري كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين وقال ابن إسحاق أسري به وقد فشا الإسلام بمكة وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق وقد أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه وأما قوله في رواية شريك وهو نائم وفي الرواية الأخرى بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون فيه ذلك حالة أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة كلها وقال محيي السنة في المعالم والأكثرون على ذلك قلت ومن القليل من قال بتعداد الإسراء نوما ويقظة وبه
يجمع بين الأدلة المختلفة قال الطيبي وقد روينا عن البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس الإسراء قال هي رؤيا عين أريها رسول الله ليلة أسري به إلى بيت المقدس وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال شيء أريه النبي في اليقظة رآه بعينه ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه وإنما ينكر إذا كانت في اليقظة فإن الرؤيا لا ينكر منها ما هو أبعد من ذلك على أن الحق أن المعراج مرتان مرة بالنوم وأخرى باليقظة قال محيي السنة رؤيا أراه الله قبل الوحي بدليل قول من قال فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان وعن بعض المحققين أن الأرواح مأخوذة من أنوار الكمال والجلال وهي بالنسبة إلى الأبدان بمنزلة قرص الشمس بالنسبة إلى هذا العالم وكما أن كل جسم يصل إليه نور الشمس تتبدل ظلماته بالأضواء فكذلك كل عضو وصل إليه نور الروح انقلب حاله من الموت إلى الحياة وقالوا الأرواح أربعة أقسام الأول الأرواح المكدرة بالصفات البشرية وهي أرواح العوام غلبته القوى الحيوانية لا تقبل العروج والثاني الأرواح التي لها كمال القوة النظرية باكتساب العلوم وهذه أرواح العلماء والثالث الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة وهذه أرواح المرتاضين إذا كبروا قوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة والرابع الأرواح الحاصلة لها كمال القوتين وهذه غاية الأرواح البشرية وهي للأنبياء والصديقين فلما ازداد قوة أرواحهم ازداد ارتفاع أبدانهم عن الأرض ولهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قويت فيهم هذه الأرواح عرج بهم إلى السماء وأكملهم قوة نبينا فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى (17/74)
$الفصل الأول
عن قتادة تابعي جليل عن أنس بن مالك أي خادم رسول الله عن مالك (17/75)
بن صعصعة أنصاري مزني مدني سكن البصرة وهو قليل الحديث أن نبي الله حدثهم أي الصحابة ومنهم أنس عن ليلة أسرى به بالإضافة وفي نسخة بالتنوين أي ليلة أسري به فيها قال زين العرب في شرح المصابيح إنها مضافة إلى الماضي وفي نسخة روايتي مجرورة منونة وقال الطيبي يجوز بناء ليلة وإعرابها وأسري بصيغة المجهول إيماء إلى قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا الإسراء والإسراء من السرى وهو السير في الليل يقال سرى وأسرى بمعنى وقيل أسري سار من أول الليل وسرى من آخره قيل وهو أقرب فالباء في به للتعدية وذكر الليل للتجريد أو للتأكيد وفي الآية بالتنكير للتقليل والتعظيم بينما أنا في الحطيم قال القاضي قيل هو الحجر سمي حجرا لأنه حجر عنه بحيطانه وحطيما لأنه حطم جداره عن مساواة الكعبة وعليه ظاهر قوله بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر فلعله حكى لهم قصة المعراج مرات فعبر بالحطيم تارة وبالحجر أخرى وقيل الحطيم غير الحجر وهو ما بين المقام إلى الباب وقيل ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر والراوي شك في أنه سمع في الحطيم أو في الحجر انتهى وقال ابن حبيب الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام حيث ينحطم الناس للدعاء وقيل كان أهل الجاهلية يتحالفون هنالك وينحطمون بالأيمان كذا ذكره الشارح الأول والله أعلم مضطجعا قيد للروايتين وهو يحتمل النوم واليقظة إذ أتاني آت أي جاءني ملك فشق أي قطع ما بين هذه إلى هذه يعني تفسير من مالك على ما هو الظاهر أي يريد النبي بقوله هذا من ثغرة نحره بضم المثلثة وسكون العين المعجمة أي نقرة نحره التي بين الترقوتين إلى شعرته بكسر الشين أي عانته وقيل منبت شعرها كذا في النهاية فاستخرج قلبي قال شارح وهذا الشق غير ما كان في زمن الصبا إذ هو لإخراج مادة الهوى من قلبه وهذا لإدخال كمال العلم والمعرفة في قلبه قلت وفيه إيماء إلى
التخلية والتحلية ومقام الفناء والبقاء ونفي السوى وإثبات المولى كما تشير إليه الكلمة العليا ثم اعلم أن هذا معجزة فإن من المحال العادي أن يعيش من ينشق بطنه ويستخرج قلبه وكأن بعضهم حملوها على المعاني المجازية ولذا قال التوربشتي ما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه من وجه إلى وجه بنقول متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول هربا مما يتوهم أنه محال ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر لعدم المحال به على القدرة ثم أتيت بطست بفتح الطاء (17/76)
وتكسر وسينه مهملة في العربية ومعجمة في العجمية من ذهب لعل الاستعمال كان قبل التحريم أو القضية من خصوصياته عليه الصلاة والسلام مملوء على وزن مفعول بالهمز ويشدد إيمانا تمييز قال القاضي لعله من باب التمثيل إذ تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها قبله الطيبي وفيه أن الأرواح أجساد لطيفة على الصحيح من الأقوال إلا أن يقال المراد تمثل له الأرواح بأجسادهم الفانية ولكن فيه أن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء نعم لو قيل ببقاء أجسادهم المتعلقة بها أرواحهم في عالم الملك وبتمثلها في عالم الملكوت لكان توجيها وجيها وتنبيها نبيها بل هو الظاهر ولا يبعد عن قدرة القاهر وفي شرح مسلم معنى جعل الإيمان في الطست جعل شيء فيه يحصل به الإيمان فيكون مجازا وقد قال الشارح الأول مانع من إرادة الحقيقة أقول والحاصل أن المعاني قد تتجسم كما حقق في وزن الأعمال وذبح كبش الموت ونحوهما فغسل قلبي ثم حشي ماض مجهول من الحشو أي مليء من حب ربي ثم أعيد أي القلب إلى موضعه الأول على الوجه الأكمل وفي رواية ثم غسل البطن أي الجوف مطلقا أو محل القلب فإنه بيت الرب بماء زمزم ثم ملىء إيمانا وحكمة أي ايقانا واحسانا فهو تكميل وتذييل ثم أتيت بدابة هي تطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود والتاء فيها للوحدة فالمعنى بمركوب متوسط دون البغل أصغر منه وفوق الحمار أي أكبر منه أبيض بالنصب على الحال أو الصفة يقال له البراق بضم أوله سمي به ليريق لونه أو لسرعة سيره كبرق السحاب ولا منع من الجمع وإن كان يؤيد الثاني قوله يضع خطوه عند أقصى طرفه بفتح فسكون في كل منهما أي يضع قدمه عند منتهى بصره وغاية نظره قيل الأصح أنه كان معدا لركوب الأنبياء وقيل لكل نبي براق على حدة وهو المناسب لمراتب الأصفياء ففي شرح مسلم قالوا هو اسم للدابة التي ركبها رسول الله ليلة (17/77)
الإسراء قال الزبيدي في مختصر العيني وصاحب التحرير هي دابة كانت الأنبياء عليهم السلام يركبونها وهذا الذي قالاه يحتاج إلى نقل صحيح قال الطيبي ولعلهم حسبوا ذلك من قوله في حديث آخر فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء أي ربطت البراق بالحلقة التي ربط بها الأنبياء قلت وليس فيه دلالة على تقدير تسليم تقديره لأن المراد بالبراق الجنس في الثاني قال وأظهر منه حديث أنس في الفصل الثاني قول جبريل للبراق فما ركبك أحد أكرم على الله منه قلت هو مع ظهوره لا يخفى ما فيه من الاحتمال المانع من صحة الاستدلال إذ يحتمل أنه ركبه بعض الملائكة أو جبريل قبله عند نزوله إليه أو التقدير فما ركب مثلك أو جنسك أحد أكرم على الله منه فلا معنى لتنفرك عنه فحملت عليه بصيغة المجهول أي ركبت عليه بمعاونة الملك أو بإعانة الملك وفيه إيماء إلى صعوبته كما سيأتي وجهه فانطلق بي (17/78)
جبريل حتى أتى باب السماء الدنيا ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس فأما المعراج فعلى غير هذه الرواية من الأخبار فإنه لم يكن على البراق بل رقي في المعراج وهو السلم كما وقع به مصرحا ذكره العسقلاني أقول الأظهر أن هذا اقتصار من الراوي وإجمال لما سبق أنه ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء نعم يمكن أن يكون سيره على البراق إلى بيت المقدس ثم إسراؤه إلى السماء بالمعراج الذي هو السلم والله أعلم فكأن الراوي طوى الرواية فاختل به أمر الدراية ثم قيل الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إظهار الحق للمعاندين لأنه لو عرج به عن مكة إلى السماء أولا لم يكن سبيل إلى إيضاح الحق للمعاندين كما وقع في الإخبار بصفة بيت المقدس وما صادفه في الطريق من العير مع ما في ذلك من حيازة فضيلة الرحيل إليه لأنه محل هجرة غالب الأنبياء ولما روي أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس فأسري إليه ليحصل العروج مستويا من غير تعويج ذكره السيوطي فاستفتح أي طلب جبريل فتح باب السماء الدنيا قيل من هذا أي المستفتح قال جبريل بتقدير هو أو أنا قال القاضي عياض وفيه أن للسماء أبوابا حقيقة وحفظة موكلين بها وفيه إثبات الاستئذان وأنه ينبغي أن يقول أنا زيد مثلا يعني لا يكتفي بقوله أنا كما هو المتعارف إذ قد ورد به النهي قيل ومن معك أي أنت نعرفك ومن معك حتى تستفتح قال محمد قيل وقد أرسل إليه الواو للعطف وحرف الاستفهام مقدر أي أطلب وأرسل إليه بالعروج أو بالوحي والأول أشهر وأظهر وعليه الأكثر قال النووي وفي رواية أخرى وقد بعث إليه أي بعث إليه للإسراء وصعود السماء وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى على الملائكة إلى هذه المدة وهذا هو الصحيح وقال البيضاوي أي أرسل إليه للعروج وقيل معناه أوحي (17/79)
إليه وبعث نبيا والأول أظهر لأن أمر نبوته كان مشهورا في الملكوت لا يكاد يخفى على خزان السموات وحراسها وأوفق للاستفتاح والاستئذان ولذلك تكرر معه وتحت هذه الكلمات ونظائرها أسرار يتفطن لها من فتحت بصيرته واشتعلت قريحته قلت ولعل مأخذها وقوفه على جميع الأبواب على دأب آداب أرباب الألباب ثم السؤال من وراء الحجاب وكذا الجواب بمرحبا مرحبا بذلك الجناب المشعر بالتنزل الرحماني والاستقبال الصمداني والإقبال الفرداني المشير إلى ما قال في الحديث القدسي المعبر عن الكلام النفسي من أتاني يمشي أتيته هرولة ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا الموميء إلى قوله سبحانه وهو معكم أينما كنتم الحديد المصرح بالمعية الخاصة في مقام مريد المزيد ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق صلى الله عليه وسلم ثم الوارد على لسانه بلسان الجمع إن الله معنا ثم عرض علو مقامه وحصول مرامه على (17/80)
آبائه الكرام وإخوانه العظام في تلك المشاهد الفخام فيا لها من ساعة سعادة لا يتصور فوقها زيادة وقيل كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه أو للاستبشار بعروجه إليه إذا كان من البين عندهم أن أحدا من البشر لا يترقى إلى أسباب السموات من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده فإن جبريل لم يصعد بمن لم يرسل إليه ولا يستفتح له أبواب السماء قال أي جبريل نعم أي أرسل إليه بالتقريب لديه والإنعام عليه قيل مرحبا به أي أتى الله بالنبي مرحبا أي موضعا واسعا فالباء للتعدية ومرحبا مفعول به والمعنى جاء أهلا وسهلا لقوله فنعم المجيء أي مجيئه جاء فعل ماض وقع استئناف بيان زمانا أو حالا والمجيء فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف قال المظهر فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص بالمدح أي جاء فنعم المجيء مجيئه وقيل تقديره نعم المجيء الذي جاءه فحذف الموصول واكتفى بالصلة أو نعم المجيء مجيء جاء فحذف الموصوف واكتفى بالصفة ففتح أي باب السماء فلما خلصت بفتح اللام أي وصلت إليها ودخلت فيها فإذا فيها آدم فقال أي جبريل هذا أبوك أي جدك آدم فسلم عليه قال التوربشتي أمر بالتسليم على الأنبياء لأنه كان عابرا عليهم وكان في حكم القائم وكانوا في حكم القعود والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منهم وكيف لا والحديث دل على أنه أعلى مرتبة وأقوى حالا وأتم عروجا فسلمت عليه فرد السلام أي ردا جميلا وفيه دليل على أن الأنبياء أحياء حقيقة ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قيل وإنما اقتصر الأنبياء على هذا الوصف لأن الصلاح صفة تشمل جميع خصائل الخير وشمائل الكرم ولذا قيل الصالح من يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق عباده ولذا ورد في الدعاء على ألسنة الأنبياء توفني مسلما وألحقني بالصالحين يوسف ويمكن أن يكون المراد به الصالح لهذا المقام العالي والصعود المتعالي ثم صعد بي بكسر العين أي طلع بي جبريل والباء للتعدية أو المصاحبة حتى أتى (17/81)
السماء الثانية وقد ورد أن بين كل سماء وسماء مسافة خمسمائة عام فاستفتح قيل من هذا قال (17/82)
جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء في تكرار هذا السؤال والجواب في كل من الأبواب إشعار بأنه بسط له الزمان وطوى له المكان واتسع له اللسان وانتشر له الشأن في ذلك الآن بعون الرحمان ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة جملة معترضة محتملة أن تكون من أصل الحديث وأن تكون مدرجة من كلام الراوي هذا وقال ابن الملك في شرح المشارق المرئي كان أرواح الأنبياء متشكلة بصورهم التي كانوا عليها إلا عيسى فإنه مرئي بشخصه وسبقه التوربشتي حيث قال ورؤية الأنبياء في السموات وفي بيت المقدس حيث أبهم يحمل على رؤية روحانيتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها غير عيسى فإن رؤيته محتملة للأمرين أو أحدهما قلت وقد قدمنا أن الأنبياء لا يموتون كسائر الأحياء بل ينتقلون من دار الفناء إلى دار البقاء وقد ورد به الأحاديث والأنباء وأنهم أحياء في قبورهم فإنهم أفضل من الشهداء وهم أحياء عند ربهم قال أي جبريل هذا يحيى قدمه لسبقه في الوجود وهذا عيسى ختم به لأنه أتم في الشهود وخاتمة أرباب الفضل والجود فسلم عليهما أي جملة أو على حدة فسلمت فردا أي السلام علي بأحسن رد ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة الحجرات ولما سبق في الحديث من أن الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فيه إشعار بأن كلا من الأنبياء لم يحصل لهم الاستعلاء إلا بالاستئذان الملكي والفتح الإلهي وأن كلا منهم كالملائكة لهم مقام معلوم وحال مفهوم ولا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم والله أعلم فلما خلصت إذا بيوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد
أي ردا حسنا ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء وهذا التكرير والبيان على وجه التكثير يعد من قبيل أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع (17/83)
ففتح فلما خلصت فإذا إدريس فقال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال عياض هذا يخالف قول أهل التاريخ إن إدريس كان من آبائه ويحتمل أن يكون قول إدريس ذلك تطلفا وتأدبا وهو أخ أيضا وإن كان أبا فإن الأنبياء إخوة كذا في شرح مسلم ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فيه إشعار بأنه لم يفتح باب السماء إلا لمن يكون مسبوقا بنعت العلاء ووصف الولاء وأما الأعداء فلا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجمل في سم الخياط فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فيه تنبيه نبيه على أن من منح له بفتح باب ما منع من باب آخر ولم يقع له حجاب بل يفتح له أبواب الرحمة ثم أبواب الجنة وما أحسن من قال من أرباب الحال على بابك الأعلى مددت يد الرجا ومن جاء هذا الباب لا يختشي الردى فلما خلصت إذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما جاوزت أي موسى أو مقامي بكى أي موسى تأسفا على أمته وشفقة على أهل ملته فإنهم قصروا في الطاعة ولم يتبعوه حق المتابعة مع طول مدته وامتداد أيام دعوته فلم ينتفعوا به انتفاع هذه الأمة بمحمد مع قلة عمره وقصر زمانه
وبهذا يظهر وجه قوله قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي فإنه لم يرد بذلك استقصار شأنه فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشاب وهذا زبدة كلام التوربشتي وقد حمله بعضهم على الغبطة وفيه نظر ظاهر (17/84)
لأهل الفطنة اللهم إلا أن يحمل على التمني فإنه قد يتصور في أمر المحال والله أعلم بالحال وقال بعض العلماء لم يكن بكاء موسى عليه السلام حسدا معاذ الله فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله وهو في عالم الملكوت بل كان آسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم الملزوم لنقص أجره لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه وأما قوله غلام فليس على سبيل التنقيص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه وقال العسقلاني ويظهر لي أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص قلت ويمكن أن يكون وجه تسميته غلاما أنه حين مروره على الأنبياء كان في مدة عمره قليل بالنسبة إلى أعمارهم في الدنيا ثم مرور الأزمنة عليهم في حال البرزخ وقد يعتبر كونه غلاما لما حصل له المرتبة العلية في قليل من مدة البعثة النبوية فإن المعراج على ما سبق إنما كان بعد الوحي بزمان قليل إذ أقصى ما قيل فيه أنه قبل الهجرة بسنة فيصدق عليه عمر الغلام بناء على أن قبله ليس من العمر التمام والله أعلم بحقيقة المرام ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء في إطباق كلمتهم واتفاق جملتهم على هذا المدح المطلق إشعار بأن ألسنة الخلق أقلام الحق
وليس هنا في الأصول لفظ ففتح فكأنه سقط من لفظ الراوي أو اكتفاء بما سبق ودلالة عليه بقوله فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك أي جدك الأقرب إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام وكأن نبينا عليه السلام كان في الاستغراق التام ومشاهدة المرام غافلا عن الأنام كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله ما زاغ البصر وما طغى النجم حتى احتاج في كل من المقام إلى تعليم جبريل بالسلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال الحافظ السيوطي استشكل رؤية الأنبياء في السموات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته تلك الليلة تشريفا له واختلف في حكمة اختصاص من ذكر من الأنبياء بالسماء التي لقيه والأشهر أنه على حسب تفاوتهم في الدرجات وعن هذا قال ابن أبي جمرة اختصاص آدم بالأولى لأنه أول الأنبياء وأول الآباء فكان في الأولى أولى وعيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدا من نبينا ويليه يوسف لأن أمة محمد يدخلون الجنة (17/85)
على صورته وإدريس في الرابعة لقوله تعالى ورفعناه مكانا عليا مريم والرابعة من السبع وسط معتدل وهارون في الخامسة لقربه من أخيه وموسى أرفع منه لفضل كلام الله تعالى وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا أقول بقي الكلام على سائر الأنبياء عليهم السلام ولعلهم كانوا موجودين في السموات بما يناسبهم من المقام ولم يذكر في كل سماء إلا واحد من المشاهير الأعلام واكتفى بذكرهم عن بقية الكرام ثم رفعت إلى سدرة المنتهى وفي نسخة السيد وبعض النسخ رفعت لي سدرة المنتهى ويؤيده قول الآتي ثم رفع لي البيت المعمور وفي نسخة إلي بتشديد الياء قال الحافظ العسقلاني الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم وبعده حرف الجر وللكشميهني رفعت لي بفتح العين وسكون التاء أو رفعت السدرة لي باللام أي من أجلي ويجمع بين الروايتين بأن المراد رفعه إليها أي ارتقي به وأظهرت له والرفع إلى الشيء يطلق على التقرب منه وقال التوربشتي الرفع تقريبك الشيء وقد قيل في قوله تعالى وفرش مرفوعة الواقعة أي مقربة لهم فكأنه أراد أن سدرة المنتهى استبينت له بنعوتها كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه وفي معناه رفع لي البيت المعمور ورفع لي بيت المقدس قال النووي سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله وحكي عن عبد الله بن مسعود أنها سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تبارك وتعالى وقال السيوطي وإضافتها إلى المنتهى لأنها مكان ينتهي دونه أعمال العباد وعلوم الخلائق ولا تجاوز للملائكة والرسل منها إلا النبي وهي في السماء السابعة وأصل ساقها في السادسة فإذا نبقها بكسر الموحدة ويسكن أي ثمرها من كبره الدال على كبرها مثل قلال هجر بكسر القاف جمع قلة بالضم وهي إناء للعرب كالجرة الكبيرة وهجر اسم بلد ينصرف ولا ينصرف ولما كانت الثمرة في قشرتها (17/86)
كالمطعوم في ظرفه ضرب مثل ثمرتها بأكبر ما كانوا يتعارفونه بينهم من الظروف كذا ذكره شارح وفي القاموس هجر محركة بلد باليمن مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال وينسب إلى هجر اليمن وإذا ورقها أي أوراقها في الكبر مثل آذان الفيلة بكسر الفاء وفتح التحتية واللام جمع الفيل مثل الديكة جمع الديك والآذان بالمد جمع الأذن قال أي جبريل هذا أي هذا المقام أو هذا الشجر سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار أي ظاهرة وقال شارح إذا للمفاجأة أي فإذا أنا بأربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذان أي النوعان من الأربعة نحو قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم الحج يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة قال ابن الملك يقال لأحدهما الكوثر وللآخر نهر الرحمة كما في خبر وإنما قال باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما أو لأنهما مخفيان عن أعين الناظرين فلا يريان (17/87)
حتى يصبا في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات قال القاضي الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها وقال ابن الملك يحتمل أن يكون المراد منهما ما عرفا بين الناس ويكون ماؤهما مما يخرج من أصل السدرة وإن لم يدرك كيفيته وأن يكون من باب الاستعارة في الاسم بأن شبههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة أو من باب توافق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقين لإسمي نهري الدنيا وفي شرح مسلم قال مقاتل الباطنان هما السلسبيل والكوثر والظاهران النيل والفرات يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه ثم رفع لي أي قرب وأظهر لأجلي البيت المعمور وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة وحرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن قال ابن الملك اعلم أن اللبن لما كان ذا خلوص وبياض وأول ما يحصل به تربية المولود صور به في العالم المقدس مثل الهداية والفطرة التي يتم به القوة الروحانية وهي الاستعداد للسعادات الأبدية أولها انقياد الشرع وآخرها الوصول إلى الله تعالى فقال هي الفطرة أنث مرجح اللبن مع أنه مذكر مراعاة للخبر أنت عليها وأمتك أي عليها أو كذلك ثم يعني بعد وصوله إلى مقام ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم فرضت علي الصلاة وفي الحديث الآتي على أمتي ولا منافاة خمسين صلاة بتقدير أعني وقوله كل يوم أي وليلة ظرف فرجعت فمررت على موسى أي بعد إبراهيم فقد روى الترمذي أنه قال لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد اقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقال أي موسى بما أمرت من العبادة قال أمرت بخمسين صلاة أي أقلها (17/88)
ركعتان قال ابن الملك وقيل كانت كل صلاة على ركعتين ألا ترى أن من قال علي صلاة يلزمه ركعتان كل يوم يحتمل اختصاصه بالنهار والأظهر أن المراد كل يوم وليلة لما سيأتي من قوله خمس صلوات في كل يوم وليلة فيكون من باب الاكتفاء للظهور والاستغناء قال إن أمتك لا تستطيع قيد بالأمة لأن قوة الأنبياء وعصمتهم تمنعهم عن المخالفة وتعينهم على الموافقة في الطاعة ولو على أقصى غاية المشقة والطاقة والمعنى لا تقدر أمتك عادة أو سهولة لضعفهم أو كسلهم خمسين صلاة أي أداءها كل يوم ثم بين (17/89)
عدم استطاعتهم بقوله وإني والله قد جربت الناس أي زاولت ومارست الأقوياء من الناس قبلك يعني ولقيت الشدة فيما أردت منهم وعالجت بني إسرائيل أي بالخصوص أشد المعالجة أي ولم يقدروا على مثل ذلك فكيف أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أمر من سأل مهموزا أو مبدلا أو منقولا نسختان مقبولتان وقراءتان صحيحتان أي فاطلب التخفيف لأمتك فرجعت أي إلى ربي فوضع عني عشرا وهو خمس الأصل وسيأتي أنه وضع عنه خمسا وكأنه كان أولا ثم صار عشرا أو عبر عن الخمس بالعشر اقتصارا واختصارا فرجعت إلى موسى فقال مثله أي مثل مقالته الأولى فرجعت أي ثانيا فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت أي ثالثا فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت أي رابعا فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت أي خامسا فأمرت بخمس صلوات كل يوم أي وليلة ولعل الاكتفاء فيه للتغليب حيث أكثر الصلوات فيه أو لأن الليل تابع لما قبله كما في ليلة عرفة وليالي أيام النحر فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك أي أكثرهم لا تستطيع خمس صلوات أي مواظبتها ومداومتها ومحافظتها كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة أي ولم يستطيعوا ما دون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال الخطابي مراجعة الله في باب الصلاة إنما جازت من رسولنا محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعا لما صدرت منهما المراجعة فصدور المراجعة دليل على أن ذلك غير واجب قطعا لأن ما كان واجبا قطعا لا يقبل التخفيف ذكره الطيبي وتبعه ابن الملك وأقول وما لم يكن واجبا لا يحتاج إلى سؤال التخفيف قطعا فالصحيح ما قيل إنه تعالى في الأول فرض خمسين ثم رحم عباده ونسخها بخمس كآية الرضاع عند بعض وعدة المتوفي عنها زوجها على قول وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه كما قال به الأكثرون وهو الصحيح وقالت (17/90)
المعتزلة وبعض العلماء لا يجوز ذكره النووي قال أي النبي سألت ربي أي التخفيف حتى استحييت أي من كثرته وفي (17/91)
نسخة بياء واحدة فهما لغتان أو الثانية تخفيف للأولى بالنقل والحذف والمعنى فلا أرجع لطلب التخفيف وإن كان الظن في الأمة أن لا يستطيعوا دوام المحافظة ولكني أرضى أي بما قضى ربي وقسم وأسلم أي أمري وأمرهم إلى الله وأنقاد بما حكم قال الطيبي فإن قلت حق لكن أن يقع بين كلامين متغايرين معنى فما وجهه ههنا قلت تقدير الكلام هنا حتى استحييت فلا أرجع فإني إذا رجعت كنت غير راض ولا مسلم ولكني أرضى وأسلم انتهى ولا يخفى أن المراجعة غير منافية للرضا والتسليم وإلا لما رضي بها موسى ونبينا عليهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم وتوضيحه أن سؤال العافية ودفع البلاء وطلب الرزق ودعاء النصر على الأعداء وأمثال ذلك كما صدر من الأنبياء والأولياء لا ينافي الرضا بالقضاء أبدا ولا التسليم لما في الأزل أبدا قال أي النبي فلما جاوزت أي موسى وتركت المراجعة نادى مناد أي حاكيا كلام ربي أمضيت فريضتي أي أحكمتها وأنفذتها أولا وخففت عن عبادي أي ثانيا وسيأتي لهذا تتمة معرفتها مهمة متفق عليه ورواه النسائي وعن ثابت البناني بضم الموحدة قبل النون الأولى تابعي من أعلام أهل البصرة وثقاتهم اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك وصحبه أربعين سنة وروى عنه نفر عن أنس أن رسول الله قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل أي وسطاني لقوله فوق الحمار ودون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه أي نظره فركبته حتى أتيت بيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال ويروى بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة فربطته بالحلقة بسكون اللام ويفتح قال النووي هي بسكون اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها التي يربط بالتذكير ويجوز تأنيثه وهو بكسر الموحدة ويضم ففي القاموس ربطه يربطه ويربطه شدة وفي الصحاح ربطت الشيء أربطه وأربطه أيضا عن الأخفش انتهى فعلم أن الضم
لغة ضعيفة ولهذا أجمع القراء على الكسر في قوله تعالى وليربط على قلوبكم الأنفال ثم قوله بها بضمير المؤنث في جميع نسخ المشكاة وهو ظاهر وفي شرح مسلم الحلقة التي يربط به كذا هو في الأصول بضمير المذكر أعاده على معنى الحلقة وهو الشيء أي الذي يربط به والمعنى بالشيء الذي يربط به الأنبياء أي براقهم أو هذا البراق على خلاف تقدم نعم لو كان المروي يربط الأنبياء بها لوقع (17/92)
الاتفاق على اتحاد البراق قال ثم دخلت المسجد أي المسجد الأقصى وهذا المقدار من الإسراء مما أجمع عليه العلماء وإنما خلاف المعتزلة في الإسراء إلى السماء بناء على منع الخرق والالتئام تبعا لكلام الحكماء اللئام فصليت فيه ركعتين أي تحية المسجد والظاهر أن هذه هي الصلاة التي اقتدى به الأنبياء وصار فيها إمام الأصفياء ثم خرجت أي من المسجد فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ولعل ترك العمل من اقتصار الراوي فاخترت اللبن أي لما سبق فقال جبريل اخترت الفطرة أي التي فطر الناس عليها وهو الدين القيم كما قال تعالى وأشار إليه بقوله كل مولود يولد على الفطرة انتقالا مما يفطر به المولود ويغذى من اللبن المعهود ثم عرج بفتح العين والراء على ما ذكره النووي وتبعه السيوطي فالفاعل جبريل أو الرب الجليل لقوله بنا أي بي وبجبريل ويمكن أن يكون قوله بنا بناء على التعظيم وفي نسخة بصيغة المجهول أي صعد بنا إلى السماء وساق أي وذكر ثابت الحديث عن أنس مثل معناه أي نحو معنى الحديث السابق برواية قتادة عن أنس قال أي النبي أو ثابت أو أنس مرفوعا فإذا أنا بآدم فرحب بي أي قال لي بعد رد سلامي مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير يحتمل أن يكون بيانا لقوله فنعم المجيء جاء وأن يكون غيره غير مبين وقال في السماء الثالثة فإذا أنا بيوسف إذا هو بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال قد أعطي شطر الحسن قال المظهر أي نصف الحسن أقول وهو يحتمل أن يكون المعنى نصف جنس الحسن
مطلقا أو نصف حسن جميع أهل زمانه وقيل بعضه لأن الشطر كما يراد به نصف الشيء قد يراد به بعضه مطلقا أقول لكنه لا يلائمه مقام المدح وإن اقتصر عليه بعض الشراح اللهم إلا أن يراد به بعض زائد على حسن غيره وهو إما مطلق فيحمل على زيادة الحسن الصوري دون الملاحة المعنوية لئلا يشكل نبينا وإما مقيد بنسبة أهل زمانه وهو الأظهر وكأن الطيبي رحمه الله أراد هذا المعنى لكنه أغرب في المبنى حيث عبر عنه بقوله وقد يراد به الجهة أيضا نحو قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة أي إلى جهة من الحسن ومسحة منه كما يقال على وجهه مسحة ملك ومسحة جمال أي أثر ظاهر ولا يقال ذلك إلا في المدح اه وغرابته مما لا تخفى على ذوي النهى هذا وقد قال بعض الحفاظ من المتأخرين (17/93)
وهو من مشايخنا المعتبرين أنه كان أحسن من يوسف عليه السلام إذ لم ينقل أن صورته كان يقع من ضوئها على الجدران ما يصير كالمرآة يحكي ما يقابله وقد حكي ذلك عن صورة نبينا لكن الله تعالى ستر عن أصحابه كثيرا من ذلك الجمال الباهر فإنه لو برز لهم لم يطيقوا النظر إليه كما قاله بعض المحققين وأما جمال يوسف عليه السلام فلم يستر منه شيء اه وهو يؤيد ما قدمناه من أن زيادة الحسن الصوري ليوسف عليه الصلاة والسلام كما أن زيادة الحسن المعنوي لنبينا مع الاشتراك في أصل الحسن على أنه قد يقال المعنى أنه أعطي شطر حسني فرحب بي ودعا لي بخير ولم يذكر أي ثابت عن أنس في هذا الحديث بكاء موسى وقال في السماء السابعة أي زيادة على ما سبق فإذا أنا بإبراهيم مسندا بكسر النون منصوبا على الحال في جميع نسخ المشكاة مطابقا لما في صحيح مسلم وشرحه وشرح السنة وفي المصابيح مرفوع على حذف المبتدأ وقوله ظهره منصوب على المفعولية لكلتا النسختين وقوله إلى البيت المعمور متعلق بالمسند وإذا هو أي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أي إلى البيت المعمور قال الطيبي الضمير المجرور فيه عائد إلى البيت المعمور أي يدخلون فيه ذاهبين غير عائدين إليه أبدا لكثرتهم ثم ذهب بي بصيغة الفاعل وفي نسخة للمفعول أي انطلق بي إلى السدرة المنتهى هكذا وقع في الأصول السدرة بالألف واللام وفي الروايات بعد هذا سدرة المنتهى كذا في شرح مسلم فإذا أورقها كآذان الفيلة وإذا أثمرها كالقلال فلما غشيها أي السدرة وهو بكسر الشين المعجمة وفتح التحتية أي جاءها ونزل عليها من أمر الله بيانية مقدمة أو تعليلية معترضة ما غشي أي غشيها إيماء إلى قوله تعالى فغشاها ما غشى النجم فقيل أنوار أجنحة الملائكة وقيل فراش الذهب قال القاضي ولعله مثل ما يغشي الأنوار التي تنبعث منها ويتساقط على مواقعها بالفراش وجعلها من الذهب لصفائها وإضاءتها في نفسها أو ألوان لا يدري ما (17/94)
هي وهو الأظهر تغيرت أي السدرة عن حالتها الأولى إلى مرتبتها الأعلى وهو جواب لما فما أحد من خلق الله أي من مخلوقاته وسكان أرضه وسمواته يستطيع أن ينعتها بفتح العين أي يصفها من حسنها تعليلية أي من كمال جمالها وعظمة جلالها وأوحى إلي ما أوحى في إبهام الموصولة أو الموصوفة إيماء إلى تعظيم الموحى وأنه من قبيل ما لا يحكى ولا يروى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى أي منتهيا إليه (17/95)
فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة وزيد في نسخة صحيحة في كل يوم وليلة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني بلوت أي جربت بني إسرائيل وخبرتهم أي اختبترتهم وامتحنتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف على أمتي أي عنهم وعدل إلى علي لتضمين التهوين فحط عني أي فوضع عن جهتي ولأجلي عن أمتي خمسا أي خمس صلوات ولعل التقدير خمسا فخمسا فيوافق رواية عشرا والأظهر أن رواية عشرا اقتصار من رواية خمسا ويؤيده قوله فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك أي المقدار الباقي أيضا فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى قال النووي معناه بين الموضع الذي ناجيته أولا فناجيته ثانيا وبين موضع ملاقاة موسى أولا حتى قال أي سبحانه وتعالى يا محمد إنهن خمس صلوات أي محتمة كل يوم وليلة قال الطيبي الضمير فيه مبهم يفسره الخبر كقوله هي النفس ما حملتها تتحمل لكل صلاة أي حقيقة واختيارا عشر أي ثواب عشر صلوات أي حكما واعتبارا فذلك أي فمجموع ما ذكر خمسون صلاة ثم استأنف ببيان قضية أخرى وعطية أخرى متضمنة لهذه الجزئية المندرجة في القاعدة الكلية حيث قال من هم بحسنة أي عزم على فعلها فلم يعملها لمانع شرعي أو عذر عرفي كتبت بصيغة المجهول أي كتب له هم الحسنة والتأنيث من إضافته إلى الحسنة ومن قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه له أي لعاملها حسنة بالنصب أي ثواب حسنة واحدة قال
الطيبي كتبت مبني على المفعول والضمير فيه راجع إلى قوله بحسنة وحسنة وضعت موضع المصدر أي كتبت الحسنة كتابة واحدة وكذا عشرا وكذا شيئا منصوبان على المصدر على ما في جامع الأصول وشرح السنة وفي بعض نسخ المصابيح حسنة وعشر مرفوعان وهو غلط من الناسخ أقول لعله من جهة الرواية وأما من طريق الدراية فله وجه في الجملة وهو أن يكون قوله كتبت له (17/96)
جملة مستقلة مجملة وقوله حسنة بتقدير هي جملة مبينة مفصلة فإن عملها أي بعد ما هم بها واهتم بشأنها كتبت أي تلك الحسنة المهمومة المعمولة له عشرا أي ثواب عشر حسنات لإنضمام قصد القلب إلى مباشرة عمل القالب كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام وهذا أقل التضاعف في غير الحرم المحترم ومن هم بسيئة أي ولم يصمم على فعلها فلم يعملها أي فتركها من غير باعث أو لسبب مباح بخلاف ما إذا تركها لله لم تكتب أي تلك السيئة الموصوفة له شيئا أما لو تركها وقد عزم على عملها فإن تركها لله فلا شك أنها تكتب له حسنة وإن تركها لغرض فاسد فتكتب له سيئة على ما بينه حجة الإسلام في الأحياء وصرح به كثير من العلماء فإن عملها كتبت أي له كما في نسخة صحيحة سيئة واحدة لأن السيئة لا تتضاعف بحسب الكمية كما قال تعالى ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون الأنعام إشارة إلى أن هذا عدل كما أن التضاعف فضل قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله فقلت قد رجعت إلى ربي أي وراجعته في أمر أمتي حتى استحييت منه رواه مسلم وعن ابن شهاب أي الزهري وهو أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء الأعلام من التابعين بالمدينة المشار إليه في فنون علوم الشريعة سمع نفرا من الصحابة وروى عنه خلق كثير منهم قتادة ومالك بن أنس عن أنس قال كان أبو ذر أي الغفاري من أعلام الصحابة وزهادهم والمهاجرين أسلم قديما بمكة ويقال كان خامسا في الإسلام وكان يتعبد قبل مبعث النبي روى
عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين ذكره المؤلف يحدث أن رسول الله قال فرج بضم فاء وتخفيف راء وتشدد من الفرج والتفريج بمعنى الشق والكشف أي أزيل عني سقف بيتي قال الطيبي فإن قيل قد روى أنس في حديث المعراج عن مالك بن صعصعة عن النبي بينما أنا في الحطيم أو في الحجر وفي هذا الحديث قال فرج عني سقف بيتي قلنا كان لرسول الله معراجان أحدهما حال اليقظة على ما رواه مالك والثاني في النوم ولعله أراد ببيتي بيت أم هانىء إذ روي أيضا الإسراء منه فأضافه إلى نفس (17/97)
تارة لأنه ساكنه وإليها أخرى لأنها صاحبته وقال بعض المحققين الجمع بين الأقوال الواردة في هذه المواضع أنه نام عند بيت أم هانىء وبيتها عند شعب أبي طالب ففرج سقف بيتها وأضاف البيت إلى نفسه لكونه يسكنه فنزل فيه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد وكان مضطجعا وبه أثر النعاس ثم أخرجه من الحطيم إلى باب المسجد فأركبه البراق ثم قوله وأنا بمكة جملة حالية للإشعار بأن القضية مكية لا مدنية فنزل جبريل ففرج صدري أي شقه ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغه أي صب ما في الطست في صدري ثم أطبقه أي غطى صدري ولأم شقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئت أي وصلت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء افتح قال من هذا قال جبريل قال هل معك أحد قال نعم محمد فقال أرسل إليه قال نعم فلما فتح وفي نسخة بصيغة المجهول علونا السماء الدنيا أي طلعناها إذا رجل قاعد على يمينه أسودة جمع سواد كأزمنة جمع زمان بمعنى الشخص لأنه يرى أنه أسود من بعيد أي أشخاص من أولاده وعلى يساره أسودة إذا وفي نسخة صحيحة فإذا نظر قبل يمينه بكسر القاف وفتح الموحدة جانب أيمنه ضحك أي لما يرى مما يدل على سروره ويمنه وإذا نظر قبل شماله بكى أي لما يشاهد مما يشعر بشروره وشؤمه فقال أي بعد السلام ورده مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل من هذا قيل ظاهره أنه سأل النبي بعد أن قال له آدم مرحبا ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك وهي المعتمدة فتحمل هذه عليها إذ ليس في هذه أداة تمثيل أقول الأظهر أن المشار إليه بهذا في السؤال إنما هو الأسودة وأعيد ذكر آدم في الجواب ليعطف عليه مقصود الخطاب فصح كلام الراوي قال أي جبريل هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله وفي نسخة صحيحة وعن شماله نسم بنيه بفتح النون والسين جمع نسمة وهي الروح أو النفس مأخوذ من النسم وهو النفس ومنه نسيم الصبا أي أرواح أولاده السابقين أو مع شمول اللاحقين (17/98)
وذكر البنين للتغليب كما في قوله تعالى يا بني آدم الأعراف يس فأهل اليمين أي الأسودة التي عن يمينه منهم أي من جملة جميع الأسودة أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن (17/99)
يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله وفي نسخة صحيحة وإذا نظر عن شماله بكى قال القاضي قد جاء أن أرواح الكفار محبوسة في سجين وأرواح الأبرار منعمة في عليين فكيف تكون مجتمعة في السماء وأجيب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتا فصادف وقت عرضها مرور النبي وبأن الجنة كانت في جهة يمين آدم والنار في جهة شماله وكان يكشف له عنهما ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد وهي مخلوقة قبل الأجساد ومستقرها عن يمين آدم وشماله وقد أعلم بما سيصيرون إليه فقوله نسم بنيه عام مخصوص والله أعلم حتى عرج بي ضبط للفاعل وقيل للمفعول والمعنى عرج بي جبريل إلى السماء الثانية وفي جامع الأصول هكذا ثم عرج بي جبريل إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول أي مثل مقول الخازن السابق قال أنس فذكر أي النبي أو أبو ذر مرفوعا وهو الأظهر أنه أي النبي عليه الصلاة والسلام وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم الظاهر وجود هارون ويحيى ويوسف ويحتمل إسقاطهم من الرواية ولم يثبت بكسر الموحدة من الإثبات أي لم يبين أبو ذر أو النبي كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا هذا لا خلاف فيه وإبراهيم في السماء السادسة هذا موافق لرواية شريك عن أنس والثابت في جميع الروايات غيرها وهو أنه في السابعة فإن قلنا بتعدد المعراج فلا إشكال وإلا فالأرجح رواية الجماعة لقوله فيها إنه رآه مسندا ظهره إلى البيت المعمور وهو في السابعة بلا خلاف ولأنه قال هنا إنه لم يثبت كيف منازلهم فرواية من أثبت أرجح قال ابن شهاب أي الزهري فأخبرني ابن حزم بفتح الحاء وسكون الزاي قال المؤلف هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم روى عن أبي حبة
وابن عباس وعنه الزهري ثم أبوه وجده أيضا من الصحابة حيث قال المؤلف أبوه أنصاري ولد في عهد رسول الله سنة عشر بنجران وكان أبوه عامل النبي على نجران وكان محمد فقيها روى عن أبيه وعن عمرو بن العاص وعنه جماعة قتل يوم الحرة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وذلك سنة ثلاث وستين أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة كذا في شرح السنة وفي المصابيح بالياء قال النووي هو بالحاء المهملة والباء الموحدة هكذا ضبطناه هنا وفي ضبطه واسمه اختلاف قيل حية بالياء المثناة تحت وقيل بالنون والأصح ما ذكرناه وقد اختلف في اسمه فقيل عامر وقيل مالك وقيل ثابت وقال المؤلف هو ثابت بن النعمان الأنصاري البدوي وفي كنيته واسمه خلاف كثير ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا فذكره بكنيته ولم يسمه وحبة بتشديد الموحدة هو الأكثر قتل يوم أحد كانا يقولان قال النبي عرج بي حتى ظهرت أي علوت (17/100)
لمستوى بفتح الواو منونا وهو المستقر وموضع الاستعلاء من استوى الشيء استعلاء وثبوت الياء بعد الواو يدل على أنه صيغة اسم المفعول واللام فيه للعلة أي علوت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته ويحتمل أن يكون متعلقا بالمصدر أي ظهرت ظهور المستوى ويحتمل أن يكون بمعنى إلى قال تعالى أوحى لها الزلزلة أي إليها وقيل بمعنى علي أسمع فيه أي في ذلك المكان أو في ذلك المقام صريف الأقلام أي صوتها عند الكتابة وقيل هو ههنا عبارة عن الاطلاع على جريانها بالمقادير والأصل فيه صوت البكرة عند الاستقاء يقال صرفت البكرة تصرف صريفا والمعنى أني أقمت مقاما بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اطلعت على الكوائن وظهر لي ما يراد من أمر الله وتدبيره في خلقه وهذا والله هو المنتهى الذي لا تقدم فيه لأحد عليه كذا حققه بعض الشارحين من علمائنا وقال النووي المستوى بفتح الواو وقال الخطابي المراد به المصعد وقيل المكان المستوي وصريف الأقلام بالصاد المهملة صوت ما يكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراد الله من أمره وتدبيره قال القاضي عياض هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ بالأقلام التي هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات لكن كيفية ذلك وصورته هنا لا يعلم إلا الله تعالى وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله وقال ابن حزم وأنس عطف على فأخبرني فهو من مقول ابن شهاب الزهري قال النبي ففرض الله على أمتي وهو لا ينافي ما سبق من قوله ففرض علي خمسين صلاة فرجعت بذلك أي آخذا به وقاصدا لعمله حتى مررت على موسى فقال ما فرض الله ما استفهامية وقوله لك أي لأجلك على أمتك قلت فرض خمسين صلاة قال فارجع إلى ربك أي فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق (17/101)
أي هذا الحمل الثقيل فراجعني بمعنى رجعني أي ردني موسى يعني صار سببا لرجوعي إلى ربي فوضع أي الله شطرها أي بعض الخمسين وهو الخمس الذي هو العشر أو العشر الذي هو الخمس على خلاف تقدم فرجعت إلى موسى فقلت وضع شطرها فقال راجع ربك أي ارجع إليه للمراجعة فإن أمتك لا تطيق أي ذلك كما في نسخة فرجعت أي إلى مكاني الأول فراجعت أي فراددت الكلام وطالبت المرام مبالغا في ذلك المقام فإن المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة فوضع شطرها فرجعت إليه أي إلى موسى فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك أي ما قدر هنالك فراجعته وفي (17/102)
نسخة فراجعت أي ربي فقال أي في الآخرة على ما في المصابيح والمعنى فقال للنبي في آخر المراجعات هي وفي نسخة هن خمس أي خمس صلوات في الأداء وهي خمسون أي صلاة في الثواب والجزاء لا يبدل القول لدي يحتمل أن يراد أني ساويت بين الخمس والخمسين في الثواب وهذا القول غير مبدل أو جعلت الخمسين خمسا ولا تبديل فيه قال الطيبي وقوله استحييت من ربي لا يناسب هذا المعنى قلت لا ينافيه بل يناسبه إذا حمل على ما قبل وجود العلم بعدم التبديل فرجعت إلى موسى فقال راجع ربك فقلت استحييت من ربي أي حين قال لي لا يبدل القول لدي مع أنه لا مانع من تعدد المانع ثم انطلق بي حتى انتهى بي بصيغة المجهول فيهما والمعنى ثم ذهب بي حتى وصل بي إلى سدرة المنتهى وغشيها بالتخفيف أي والحال أنه غشيها ألوان أي من الأنوار أو أصناف من أجنحة الملائكة أو غيرها لا أدري أي الآن أو في ذلك الزمان لتوجه نظره إلى المكون دون المكان ما هي أي حقيقة ما هي في ذلك المكان والزمان ثم أدخلت الجنة فإذا للمفاجأة فيها جنابذ اللؤلؤ بفتح الجيم وكسر الموحدة والذال المعجمة جمع جنبذة بضم الجيم والباء وهي ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة و قول العامة أن الجنبذة بفتح الباء معرب كنبذة وإذا ترابها المسك وهو أطيب الطيب وفي الخبر أنه يفوح ريح الجنة مسيرة خمسمائة عام متفق عليه وعن عبد الله أي ابن مسعود رضي الله عنه قال لما أسري برسول الله انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة قال شارح وهم بعض الرواة في السادسة والصواب في السابعة على ما هو المشهور بين الجمهور من الرواة اه والمعنى أن إضافة السهو إلى واحد منهم أولى ولأنه ورد أن علم الخلائق ينتهي إليها وليس كذلك في السادسة على ما لا يخفى وقال النووي هكذا هو في جميع الأصول قال القاضي كونها في السابعة هو الأصح قول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى قال النووي ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في (17/103)
السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها (17/104)
في نهاية من العظم وقد قال الخليل السدرة في السماء السابعة قد أظلت السموات والجنة وقد ذكر القاضي عياض أن مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل المنتهى أن يكون أصلها في الأرض فإن سلم له هذا أمكن حمله على ما ذكرناه إليها أي إلى السدرة ينتهي ما يعرج به من الأرض أي ما يصعد به من الأعمال والأرواح الكائنة في الجهة السفلى فيقبض منها بصيغة المجهول فيه وفيما بعده ويحتمل تعدد القابض واتحاده فيهما وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها أي من الوحي والأحكام النازلة من الجهة العليا فيقبض منها قال أي قرأ ابن مسعود أو قال الله تعالى إذ يغشى السدرة ما يغشى قال أي ابن مسعود في تفسير قوله ما يغشى فراش أي هو فراش من ذهب يحتمل أن يكون مرفوعا أو في حكم المرفوع قال الطيبي فإن قلت كيف التوفيق بين هذا وبين قوله في غير هذا الحديث فغشيها ألوان لا أدري ما هي قلت قوله غشيها ألوان لا أدري ما هي في موقع قوله إذ يغشى السدرة ما يغشى النجم في إرادة الإبهام والتهويل وإن كان معلوما كما في قوله تعالى فغشيهم من اليم ما غشيهم طه في حق فرعون ثم قوله هنا فراش من ذهب بيان له أقول الأظهر والله أعلم أن ما يغشى أشياء كثيرة لا تحصى ومما لا يمكن أن يحاط بها ويستقصى لأن نفس السدرة إذا كانت هي المنتهى فكيف يكون إحاطة العلم بما فوقها مما يغشى وهو لا ينافي ذكر بعض ما رأى وروى وبه يجمع بين سائر الروايات والأقوال فقيل يغشاهم جم غفير من الملائكة وروي أنه أنه قال رأيت على كافة ورقة ملكا قائما يسبح وقيل فرق من الطير الخضر وهي أرواح الأنبياء وقيل غير ذلك على أن في قوله لا أدري إشارة إلى أنها لا تشبه الأعيان المشهودة المستحقرة في النفوس الموجودة فينعت لهم بذكر نظائرها ثم اعلم أن الفراش بالفتح طير معروف ومنه قوله تعالى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث القارعة وقد قال شارح الفراش ما تراه
كصغار البق يتهافت ويتساقط في النار وقيل يحتمل أن يكون المراد بالفراش أرواح الأنبياء وهذا لا ينافي قوله في غير هذا الحديث فغشيها ألوان لا أدري ما هي لجواز أن يكون هذا أيضا مما غشيها اه وتبين البون البين بين هذه الآية وبين قوله تعالى فغشيهم من اليم ما غشيهم حيث إنه وقع الإبهام هنا لتعظيمه والعجز عن إحاطته وفي قضية فرعون إشارة إلى معلوميته وحقارته قال أي ابن مسعود فأعطي رسول الله أي تلك الليلة أو في ذلك المقام والحالة ثلاثا أي لها على ما عداها مزية كاملة أعطي الصلوات الخمس أي فرضيتها وأعطي خواتيم سورة البقرة أي إجابة دعواتها فإن قلت هذا بظاهره ينافي ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس بينا جبريل (17/105)
قاعد عند النبي سمع نقيضا من فوقه أي صوتا فرفع رأسه فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته قلت لا منافاة فإن الإعطاء كان في السماء من جملة ما أوحى إلى عبده ما أوحى بقرينة إعطاء الصلوات الخمس في المقام الأعلى ونزول الملك المعظم لتعظيم ما أعطي وبشارة ما خص به من بين سائر الأنبياء نعم يشكل هذا بكون سورة البقرة مدنية وقضية المعراج بالاتفاق مكية فيدفع باستثناء الخواتيم من السورة فهي مدنية باعتبار أكثرها فقد نقل ابن الملك عن الحسن وابن سيرين ومجاهد إن الله تعالى تولى إيحاءها بلا واسطة جبريل ليلة المعراج فهي مكية عندهم وأما الجواب على قول الجمهور أن السورة بكمالها مدنية فقد قال التوربشتي ليس معنى قوله أعطى أنها أنزلت عليه بل المعنى أنه استجيب له فيما لقن في الآيتين من قوله سبحانه غفرانك ربنا إلى قوله أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين البقرة و ولمن يقوم بحقها من السائلين قال الطيبي في كلامه إشعار بأن الإعطاء بعد الإنزال لأن المراد منه الاستجابة وهي مسبوقة بالطلب والسورة مدنية والمعراج في مكة ويمكن أن يقال هذا من قبيل فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم والنزول بالمدينة من قبيل وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى النجم اه وحاصله أنه وقع تكرار الوحي فيه تعظيما له واهتماما بشأنه فأوحى إليه في تلك الليلة بلا واسطة ثم أوحى إليه في المدينة بواسطة جبريل وبهذا يتم أن جميع القرآن نزل بواسطة جبريل كما أشار إليه سبحانه بقوله نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين الشعراء ويمكن أن يحمل كلام الشيخ على أن المراد هنا بالإعطاء استجابة الدعاء مما اشتمل الإتيان عليه وهو لا ينافي نزولها بعد الإسراء إليه قال الطيبي وإنما أوثر الإعطاء لما عبر عنها بكنز تحت (17/106)
العرش فقد روينا عن أحمد بن حنبل أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبل وكان لنبينا مع الله تعالى مقامان يغبطهما الأولون والآخرون أحدهما في الدنيا ليلة المعراج وثانيهما في العقبى وهو المقام المحمود ولا أهتم فيهما إلا بشأن هذه الأمة المرحومة وغفر بصيغة المجهول لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات بالرفع على نيابة الفاعل وهو بكسر الحاء أي الكبائر المهلكات التي تقحم صاحبها النار إن لم يتجاوز عنه الملك الغفار والمعنى أنه وعد تلك الليلة الكاملة بهذه المغفرة الشاملة وإن نزل قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء بعد ذلك فإنه من سورة النساء وهي مدنية ولعل عدم ذكر المشيئة في الحديث لظهور القضية في حكم القديم والحديث هذا وقال ابن حجر المراد بغفرانه أنه ل (17/107)
يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد أنه لا تعذب أمته أصلا إذ قد علم من نصوص الشرع وإجماع أهل السنة إثبات عذاب العصاة من الموحدين اه وفيه إنه حينئذ لا يبقى خصوصية لأمته ولا مزية لملته اللهم إلا أن يقال المراد غالب هذه الأمة فإنها أمة مرحومة والله أعلم رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لقد رأيتني أي والله لقد أبصرت نفسي الأنفس أو علمت ذاتي الأقدس في الحجر أي قائما وقريش أي والحال أن جماعة من قريش تسألني عن مسراي بفتح الميم مصدر ميمي أي عن سيري إلى بيت المقدس بالضبطين فسألتني أي قريش عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها من الإثبات أي لم أحفظها ولم أضبطها لإشتغالي بأمور أهم منها فكربت بصيغة المفعول أي أحزنت كربا كذا في جميع نسخ المشكاة وهو مفعول مطلق والمعنى حزنا شديدا ويناسبه قوله ما كربت مثله أي مثل ذلك الكرب وفي القاموس الكرب الحزن يأخذ بالنفس كالكربة وكربه الغم فهو مكروب قال الطيبي كذا في المصابيح وفي شرح صحيح مسلم كربة قال النووي الضمير في قوله مثله يعود إلى معنى الكربة وهو الغم أو الهم أو الشيء قال الجوهري الكربة بالضم الغم الذي يأخذ النفس لشدته فرفعه الله أي بيت المقدس لي أي لأجلي أنظر إليه حال والمعنى رفع الحجاب بيني وبينه لأنظر إليه وأخبر الناس بما اطلعت عليه وهذا معنى كلامه مستأنفا مبينا ما يسألوني بتشديد النون وتخفف عن شيء إلا أنبأتهم أي أخبرتهم به في تلك الحالة المستحضرة ولذا لم يقل ما سألوني بصيغة الماضية وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء أي مع جمع في ليلة الإسراء كما يدل عليه السياق والسباق واللحاق وهذه الرؤية غير رؤية السماء بالاتفاق ثم قيل رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى لأنه ثبت أنه رفع بجسده وقد قيل في إدريس ذلك وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح ويحتمل الأجساد بأرواحها والأظهر أن صلاته لهم في بيت (17/108)
المقدس كان قبل العروج قلت قد سبق أنهم أحياء عند ربهم وأن الله حرم على الأرض أن تأكل لحومهم ثم أجسادهم كأرواحهم لطيفة غير كثيفة فلا مانع لظهورهم في عالم الملك والملكوت على وجه الكمال بقدرة ذي الجلال ومما يؤيد تشكل (17/109)
الأنبياء وتصورهم على وجه الجمع بين أجسادهم وأرواحهم قوله فإذا موسى قائم يصلي فإن حقيقة الصلاة وهي الإتيان بالأفعال المختلفة إنما تكون للأشباح لا للأرواح لا سيما وكالتصريح في المعنى المراد قوله فإذا رجل ضرب أي نوع وسط من الرجال أو خفيف اللحم على ما في النهاية جعد بفتح فسكون وفيه معنيان أحدهما جعودة الجسم وهو اجتماعه والثاني جعودة الشعر والأول أصح هاهنا لما جاء في رواية أبي هريرة أنه رجل الشعر كذا قاله صاحب التحرير قال النووي ويجوز أن يراد به المعنى الثاني أيضا لأنه يقال شعر رجل إذا لم يكن شديد الجعودة كأنه من رجال شنوءة وهي قبيلة مشهورة وإذا عيسى قائم يصلي فيه إيماء إلى أن الصلاة معراج المؤمن من حيث أنها حالة حضور الرب وكمال القرب في الحالات وأنواع الانتقالات وهو من أعظم اللذات عند عشاق الذات والصفا أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي نسبة إلى ثقيف قبيلة وليس هذا أخا لعبد الله بن مسعود كما في حواشي المصابيح فإنه هذلي وإذا بإبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به أخبار متعاقبة لإبراهيم قال الطيبي والمعنى أكثر الناس شبها بإبراهيم صاحبكم يعني نفسه هذا من كلام أبي هريرة أو من بعده أي يريد النبي بقوله صاحبكم نفسه وذاته إشارة إلى قوله تعالى وما صاحبكم بمجنون التكوير ثم رؤيته إياهم يصلون يحتمل أنها كانت في أثناء الإسراء إلى بيت المقدس أو في نفس المسجد الأقصى وهو المبعد الأعلى ويؤيده الفاء التعقيبية في قوله فحانت الصلاة أي دخل وقتها ولعل المراد بها صلاة التحية أو يراد بها صلاة المعراج على الخصوصية فأممتهم أي صرت لهم إماما وكنت لهم إماما في شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض فإن
قيل كيف رأى موسى عليه السلام يصلي وأم الأنبياء في بيت المقدس ووجدهم على مراتبهم في السموات فالجواب يحتمل أنه رآهم وصلى بهم في بيت المقدس ثم صعدوا إلى السماء فوجدهم فيها وأن يكون اجتماعهم وصلاته معهم بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى اه والأظهر أنه لا منع من الجمع حيث لا يخالفه العقل والسمع مع أن الأمور الخارقة للعادة عن الكيفية العقلية خارجة فقد روي أنه قيل للسيد عبد القادر رحمه الله أن قضيب البان ما يصلي فقال لا تقولوا فإن رأسه دائما على باب الكعبة ساجد وتشكله بصوره المتعددة في الأماكن المختلفة معرفة عند طبقة الصوفية فكأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يصلون في قبورهم ويستزيدون في سرورهم بنورهم وظهورهم فلما تبين لهم اسراء سيد الأنبياء إلى جهة السماء استقبلوه واجتمعوا معه في بيت المقدس الذي هو مقر الأصفياء واقتدوا بالإمام الحي الذي هو أفضل رجال الطي ثم تقدموا بطريق المشايعة وآداب المتابعة إلى السموات وتوقف كل فيما أعطاه الله تعالى من المقامات فمر عليهم وخص كلا بالسلام عليه وهم أظهروا الترحيب والتعظيم لديه مع سائر الملائكة المقربين وحملة العرش والكروبيين إلى أن تجاوز عن سدرة المنتهى وانتهى إلى مقام كلام مبدل قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى وهذا غاية القرب ونهاية الحب ثم بمقتضى البقاء بعد الفناء والتفرقة بين الجمع والتدلي بعد الترقي والرجوع إلى (17/110)
البداية بعد العروج إلى النهاية للحكم الصمدانية وللقسم الفردانية رجع عن حاله من العظمة النبوية والدولة الخاتمية واجتمع بسائر الأنبياء ثانيا ونزلوا معه متقدمين ومتأخرين وتباينا إلى أن اجتمعوا إلى المسجد الأقصى آخرا وصلى بهم صلاة مودع فاخر ثم قوله فلما فرغت من الصلاة يحتمل أن يكون قبل صعوده وأن يكون بعد شهوده قال لي قائل هو جبريل أو غيره من ملك جليل يا محمد هذا خازن النار فسلم عليه أي تعظيما لجلال الملك القهار أو تواضعا كما هو دأب الأبرار فالتفت إليه أي على قصد السلام عليه فبدأني بالسلام أي لما عرف من تعظيم المقام سبق أنه ابتدأ بالسلام عليهم تواضعا له وتكريما لهم أو لأنه كان قائما وهم قعود على ما صرح به في آدم أو لأنه كان مارا وهم وقوف وهو مختار الشيخ التوربشتي أو لأنه حي وأنهم في صورة الأموات والله أعلم بحقيقة الحالات رواه مسلم وهذا الباب خال عن الفصل الثاني أي فلا تستغرب من قوله (17/111)
$الفصل الثالث
عن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول لما كذبني أي نسبني إلى الكذب قريش أي فيما ذكرت من قضية الإسراء وطلبوا مني علامات بيت المقدس وما في طريقه من الإنس قمت في الحجر أي في موضع بدىء بي الصعود أولا لينجلي لي الشهود ثانيا فجلى الله بتشديد اللام من التجلية أي فأظهر لي بيت المقدس أي وطريقه الأقدس فطفقت بكسر الفاء قبل القاف أي فشرعت أخبرهم عن آياته أي علامات بيت المقدس ودلالاته مما يكون من شواهد حالات النبي ودلائل معجزاته وأنا أنظر إليه أي كأن نظري واقع عليه وجسدي حاضر لديه متفق عليه
باب في المعجزات (17/112)
المعجزة مأخوذ من العجز الذي هو ضد القدرة وفي التحقيق المعجز فاعل العجز في غيره وهو الله سبحانه وسميت دلالات صدق الأنبياء وأعلام الرسل معجزة لعجز المرسل إليهم عن معارضتهم بمثلها والهاء فيها إما للمبالغة كعلامة ونسابة وإما أن يكون صفة لمحذوف كآية وعلامة ذكره الطيبي
$الفصل الأول
عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بصيغة الإفراد في أصح النسخ بناء على نهاية خصوصيته وغاية مزيته لا سيما في هذا المقام فإنه بالنسبة إلى أنس كالسيد والغلام نظرا إلى أنه الأستاذ وإليه الإسناد مع احتمال أن الترضية من كلام أنس وفي نسخة رضي الله عنهما جمعا بينهما لأداء حقوقهما وأصل استحقاقهما قال نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا أي كأنها فوق رؤوسنا ونحن أي أنا ورسول الله في الغار اللام للعهد الذهني نحو قوله تعالى إذ هما في الغار التوبة أي غار ثور للإختفاء من الكفار على قصد الهجرة إلى الدار قال الطيبي الغار نقب في أعلى ثور وهو جبل بمنى مكة على مسيرة ساعة أي ساعة نجومية أو المراد بها مدة قليلة قيل طلع المشركون فوق الغار في طلب سيد الأبرار فأشفق أبو بكر على رسول الله وقال إن تصب اليوم ذهب دين الله وقال أيضا من كمال الاضطراب خوفا على ذلك الجناب ما رواه أنس عنه فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أي موضعها أبصرنا أي لتقابلنا فقال يا أبا بكر ما ظنك
باثنين الله ثالثهما فنزل قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا التوبة ونسبة الإخراج إليهم لكونهم سببا لخروجه بأمر الله إياه لحكمة أراد ها الله روي أن رسول الله قال اللهم أعم أبصارهم فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه اه ولا يخفى أن القصة بانضمام هذه الرواية وما في معناه من قضية الحمامة والعنكبوت حيث أظهرها الله في عيونهم على باب الغار تصير معجزة هذا وقال الطيبي معنى قوله الله ثالثهما جاعلهما ثلاثة بضم نفسه تعالى إليهما في المعية المعنوية التي أشار إليها بقوله سبحانه إن الله معنا ثم قال فإن قلت أي فرق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى وهارون لا تخافا إنني معكما طه قلت بينهما بون بعيد لأن معنى قوله معكما ناصركما وحافظكما من مضرة فرعون ومعنى قول الله ثالثهما إن الله تعالى جاعلهما ثلاثة فيكون سبحانه أحد الثلاثة وإن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه من النصرة والخذلان فإن قلت ما الفرق بين قول الله ثالثهما وبين قوله ثالثهما الله قلت يفيد الأول أنهما مختصان بأن الله ثالثهما وليس بثالث غيرهما وفي عكسه يفيد أن الله تعالى ثالثهما لا غيره وكم بين العبارتين وقال أكمل الدين في شرح المشارق استشكل بأن في قوله ثالثهما إطلاق الثالث على الله وهو كلام حق ليس فيه زيغ وفي قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة المائدة إطلاق الثالث عليه كفر وكفر القائلون به فما سبب ذلك أجيب بأن في الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه بواحد وذلك بمعنى التصيير وهو مصير كل شيء وفي الآية إضافته إلى عدد مثله وذلك بمعنى واحد منهم تعالى وتقدس قلت وكذا زال الإشكال به من قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم حيث لم يقل ثالثهم وخامسهم ثم رفع وهم المعية الكائنة بالحجة السيحانية (17/113)
والبينة البرهانية حيث عمم الحكم بقوله ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا المجادلة الآية متفق عليه وعن البراء بن عازب صحابيان جليلان عن أبيه أنه قال لأبي بكر يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت من سرى لغة في أسرى بمعنى السير في الليل أي حين سافرت من مكة إلى المدينة للهجرة بعد الخروج من الغار قال أسرينا ليلتنا أي جميعها ومن الغد أي وبعضه وهو نصفه كما يفيد قوله حتى قام قائم الظهيرة أي بلغت الشمس (17/114)
وسط السماء ففي النهاية أي قامت الشمس وقت الزوال من قولهم قامت به دابته أي وقفت والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيرا لا يظهر له أثر سريع كما يظهر قبل الزوال وبعده فيقال لذلك الوقوف المشاهد قام قائم الظهيرة وخلا الطريق أي صار خاليا عن مرور الفريق لا يمر فيه أحد تأكيد لما قبله أو بيان فرفعت لنا صخرة طويلة أي أظهرت قال الطيبي ومنه رفع الحديث وهو إذاعته وإظهارته وفيه بحث لأن الحديث المرفوع خاص بما أسند إليه وسمي الحديث به لأنه يحصل له كمال الرفعة بسببه لها أي لتلك الصخرة ظل أي عظيم من صفته أنه لم تأت بالتأنيث ويذكر أي لم تحكم عليه الشمس أي بشعاعها حينئذ فنزلنا عندها أي عند الصخرة وسويت للنبي مكانا بيدي بصيغة التثنية إشعارا بزيادة الاهتمام في الخدمة ينام عليه استئناف تعليل أو صفة لمكانا وبسطت عليه فروة أي وفرشت على المكان جلدا بشعره وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض ما حولك بضم الفاء أي أتجسس الأخبار وأتفحص عن العدو وأرى هل هناك مؤذ من عدو وغيره من النفض الذي هو سبب النظافة من نحو الغبار وفي النهاية أي أحرسك وأطوف هل أرى طلبا يقال نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه والنفضة بفتح الفاء وسكونها والنفيضة قوم يبعثون متجسسين هل يرون عدوا أو خوفا فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بالجر صفة راع ومعناه جاء من قبلنا ومن جهة قدامنا قلت أفي غنمك لبن قال نعم قلت أفتحلب بضم اللام ويجوز كسرها على ما في القاموس والمعنى أفتحلبها لي قال نعم فأخذ شاة فحلب في قعب بفتح القاف وسكون العين أي في قدح من خشب مقعر كثبة بضم الكاف وسكون المثلثة فموحدة أي قدر حلبته من لبن وقيل ملء القدح من اللبن فقوله من لبن على قصد التجريد أو لمزيد التأكيد ومعي إداوة بكسر الهمز أي ظرف ماء مطهرة أو سقاية حملتها للنبي أي خاصة أو خالصة في النية وقصد (17/115)
الطوية يرتوي فيها قال التوربشتي رويت من الماء بالكسر وارتويت وترويت كلها بمعنى قال الطيبي فعلى هذا ينبغي أن يقال يرتوي منها لا فيها قلت في القاموس أن في تأتي بمعنى من أو التقدير يرتوي من الماء فيها وقال النووي معنى يرتوي فيها جعل القدح آلة للري والسقي ومنه الرواية الإبل التي يستقى عليها الماء اه فعلى هذا يكون في بمعنى الباء ثم قوله يشرب (17/116)
ويتوضأ مستأنفان للبيان والجملة أعني قوله ومعي الخ حالية معترضة بين قوله فحلب وقوله فأتيت النبي أي باللبن فكرهت أن أوقظه أي أنبهه من النوم لإستغراقه فيه فوافقته بتقديم الفاء على القاف في النسخ المصححة أي تأنيت به حتى استيقظ وأبعد من قال أي فوافقته في النوم إلا أن يقال المعنى فوافقته في اختياره النوم لأن الإيقاظ نوع مخالفة له قال صاحب الخلاصة وفي بعض نسخ البخاري حين استيقظ أي وافق إتياني وقت استيقاظه ويؤيده ما في بعض الروايات فوافقته وقد استيقظ وقال شارح روي بتقديم القاف على الفاء من الوقوف والمعنى صبرت عليه وتوقفت في المجيء إليه حتى استيقظ فصببت من الماء أي بعضه على اللبن أي تبريدا حتى برد أسفله كناية عن كثرته فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت أي طاب خاطري ثم قال ألم يأن للرحيل من أنى يأني إذا دخل وقت الشيء والمعنى ألم يدخل وقت الرحيل كذا قاله شارح والأظهر في المعنى ألم يأت وقت التحويل للرحيل وهو السير الجميل إلى موضع النخيل فيطابق قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله الحديد قلت بلى قال أي أبو بكر فارتحلنا بعدما مالت الشمس أي من وسط السماء وحصل برد الهواء واتبعنا بتشديد التاء الفوقية وفي نسخة بهمزة قطع وسكون فوقية أي وقد لحقنا سراقة بن مالك بضم السين قال المؤلف في فصل الصحابة هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني كان ينزل قديدا ويعد في أهل المدينة روى عنه جماعة وكان شاعرا مجيدا فقلت أتينا بصيغة المجهول أي أتانا العدو
يا رسول الله فقال لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه النبي قارتطمت به فرسه أي ساخت قوائمها كما تسوخ في الرمل إلى بطنها في جلد بفتحتين أي صلب من الأرض فقال إني أراكما بفتح الهمز من الرأي دعوتما علي أي بالمضرة فادعوا لي أي بالمنفعة والنجاة من المشقة فالله لكما بالرفع وفي نسخة بالنصب قال شارح هو مرفوع بالابتداء أي فالله كفيل علي لكما أن لا أهم بعد ذلك لغدركما أو فالله مستجيب والفاء للسببية وقوله أن أرد عنكما الطلب متعلق بادعوا أي لأن أرد أو منصوب بإضمار فعل أي أسأل الله لكما أن أرد عنكما الطلب أي طلب الكفار الذين طلبوكما كما وقال الأشرف الجار محذوف وتقديره بأن أرد وقوله فالله لكما حشو بينهما ويمكن أن يقال فالله مبتدأ أو لكما خبره وقوله أن أرد خبر ثان للمبتدأ أو قال غيره معناه فادعوا لي كي لا يرتطم فرسي على أن أترك طلبكما ولا أتبعكما بعد ثم دعا لهما بقوله فالله لكما أي الله تعالى حافظكما وناصركما حتى تلبغا بالسلامة إلى مقصدكما ويجوز أن يكون (17/117)
معناه أدعوا لي حتى أنصرف عنكما فإن الله تعالى قد تكفل بحفظكما عني وحبسني عن البلوغ إليكما قال الطيبي الفاء في فالله تقتضي يترتب ما بعدها عليه فالتقدير أدعوا لي بأن أتخلص مما أنا فيه فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أرد عنكما الطلب ويؤيد هذا التقدير ما في شرح السنة والله على القسم أي أقسم بالله لكما على أن أرد الطلب عنكما فدعا له النبي فنجا أي فتخلص من العناء كما رجا فجعل أي فشرع في الوفاء بما وعد لا يلقى أحدا أي من ورائهما إلا قال كفيتم بصيغة المفعول وفي نسخة لقد كفيتم أي استغنيتم عن الطلب في هذا الجانب لأني كفيتكم ذلك ما ههنا أي ليس ههنا أحد فما نافية على ما ذكره بعض الشراح وقال الطيبي ما ههنا بمعنى الذي أي كفيتم الذي ههنا اه والأول أظهر وهو أولى لما يستفاد منه التأكيد كما لا يخفى كقوله فلا يلقى أحدا إلا رده أي بهذا المعنى متفق عليه قال النووي فيه فوائد منها هذه المعجزة الظاهره لرسول الله والفضيلة الباهرة لأبي بكر رضي الله عنه من وجوه وفيه خدمة التابع للمتبوع واستصحاب الركوة ونحوها في السفر للطهارة والشرب وفيه فضل التوكل على الله تعالى وحسن عاقبته وعن أنس قال سمع عبد الله بن سلام بتخفيف اللام وهو من أجلاء الصحابة الكرام ومن أولاد يوسف عليه السلام وكان أولا من أحبار اليهود وأعلمهم بالتوراة فعلم بمقدم رسول الله بفتح الميم والدال أي بقدومه من مكة إلى المدينة وهو أي والحال أن ابن سلام في أرض أي في بستان يخترف أي يجتني من الفواكه فأتى النبي أي فجاءه فقال إني سائلك عن ثلاث أي ثلاثة أشياء لا يعلمهن إلا نبي أي أو من يأخذ منه أو من كتابه لئلا يشكل بأنه كان ممن يعلمها إما مجملا أو مفصلا ولهذا صار جوابها معجزة له وعلم يقين بنبوته عنده وهو الظاهر من إيراد الحديث في هذا الباب ويمكن أن يكون قد تحقق عنده معجزات أخر منضمة إلى هذا الجواب والله أعلم بالصواب فما أول أشراط الساعة أي (17/118)
علاماتها وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع بكسر الزاي يقال نزع الولد إلى أبيه إذا أشبهه ذكره في الغريبين فالمعنى وما يشبهه الولد بالنصب إلى أبيه أو إلى أمه أو للتنويع ولعل المراد قومها أو أصل الشبه أو الحكم غالبي عادي وفي نسخة برفع الولد وإليه يشير ما قال الطيبي أي ما سبب نزوع الولد وميله إلى أحد الأبوين فحذف المضاف وأن (17/119)
المصدرية من المضارع كما في قوله أحضر الوغى اه والأظهر ما قال شارح معناه أي شيء يجذب الولد إلى أبيه في الشبه قال أخبرني بهن جبريل قاله دفعا لتوهم أنه سمع من بعض علماء أهل الكتاب آنفا بالمد ويقصر أي هذه الساعة أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس أي تجمعهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة أي المسمى بنزلا المعبر عنه بما حضر وهو مقدمة بقية النعمة فزيادة كبد حوت أي طرفها وهي أطيب ما يكون من الكبد وقد يقال إنه الحوت الذي على ظهره الأرض وإذا جعل الأرض طعمة لأهل الجنة فالحوت كالأدام لهم كذا ذكره شارح وهو مشعر بأن هذه الطعمة يوم القيامة لأهل الجنة وإذا سبق ماء الرجل أي علا وغلب ماء المرأة نزع الولد بالنصب أي جذب الرجل أو ماؤه الولد إلى شبهه ويرفع وإذا سبق ماء المرأة نزعت أي جذبت المرأة الولد وفي نسخة برفع الولد وإليه ينظر ما قال المظهر يعني إذا غلب ماء الرجل أشبهه الولد وإذا غلب ماء المرأة أشبهها الولد قال الطيبي فعلى هذا التأنيث في نزعت بتأويل السمة وقال شارح قوله نزعت أي جذبت المرأة بالولد إلى مشابهتها بسبب غلبة مائها أو جذبت ماءها فأكسب التأنيث من المضاف إليه اه وأما نسبة الذكورة والأنوثة فباعتبار مسابقة ماء الرجل وعكسه على ما ورد في حديث آخر قال أي ابن سلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم استأنف وقال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت بضم موحدة وسكون هاء في النهاية هو جمع بهوت من بناء المبالغة في البهتان كصبور وصبر ثم سكن تخفيفا وإنهم إن
يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم أي عني يبهتوني بتشديد النون ويخفف أي يبهتونني كما في بعض النسخ المصححة أي ينسبوني إلى البهتان ويجعلوني مبهوتا حيران ولم يكن إسلامي عليهم حجة واضحة البرهان فجاءت اليهود أي بإحضارهم أو اتفاقا في مأتاهم وابن سلام في اختفاء عنهم فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام أي رجل عبد الله فيكم أي فيما بينكم أو في زعمكم ومعتقدكم قالوا خيرنا وابن خيرنا أي في الحسب من العلم والصلاح وسيدنا وابن سيدنا أي في النسب أو في سائر مكارم الأخلاق قال أرأيتم أي أخبروني إن أسلم عبد الله بن سلام أي فهل تسلمون قالوا أعاذه الله من ذلك أي معاذ الله أن يتصور هذا منه فخرج عبد الله (17/120)
فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقالوا شرنا أي هو شرنا وابن شرنا فانتقصوه من النقص وهو العيب قال هذا أي هذا الانتقاص هو الذي كنت أخاف أي أحذره وحملتك على سؤالهم تصديقا لحالهم وشهادة على مقالهم يا رسول الله رواه البخاري وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال إن رسول الله شاور أي أهل المدينة للامتحان حين بلغنا إقبال أبي سفيان أي بالعير من الشام إلى مكة وقام سعد بن عبادة أي وقد قام من بين الصحابة وهو رئيس الأنصار وقال ما قال مما سيأتي وإنما خص بالقيام لأن سبب الاستشارة اختبار الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن قصده فلما عرض له الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقونه على ذلك أم لا فأجابوا أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وفي غيرها وفيه حث على استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة قال الطيبي وذلك أن قريشا أقبلت من الشام فيها تجارات عظيمة ومعه أربعون راكبا منهم أبو سفيان فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم فلما خرجوا بلغ مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة فقيل له إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال لا والله فمضى بهم إلى بدر ونزل جبريل فأخبر أن الله وعدكم إحدى الطائفتين فقال رسول الله إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقام سعد بن عبادة فقال يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها بضم النون وكسر الخاء أي ندخل الدواب بقرينة المقام ودلالة المرام البحر لأخضناها قال القاضي الإخاضة الإدخال في الماء والكناية للخيل والإبل وإن لم يجر ذكرها بقرينة الحال ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها قال القاضي ضرب الأكباد عبارة عن تكليف الدابة للسير بأبلغ مما يمكن فالمعنى لو أمرتنا بالسير البليغ والسفر السريع إلى (17/121)
برك الغماد أي مثلا من المواضع البعيدة وهو بفتح الموحدة وضم الغين المعجمة ويكسران قال شارح ومنهم من يجعل كسر الغين وكسر الباء أصح الروايتين (17/122)
قال النووي هو بفتح الباء وإسكان الراء هو المشهور في كتب الحديث وروايات المحدثين وقال القاضي عياض عن بعض أهل اللغة صوابه كسر الباء وكذا قيد شيوخ حديث أبي ذر في البخاري واتفقوا على أن الراء ساكنة إلا ما حكاه القاضي عن الأصيلي بإسكانها وفتحها وهذا غريب ضعيف والغماد بكسر الغين المعجمة وضمها لغتان مشهورتان وأهل الحديث على ضمها واللغة على كسرها قلت رواية المحدثين أرجح وللاعتماد أصح قال وهو موضع بأقصى هجر واختار غيره أنه موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل وقيل بلد من اليمن ثم قوله لفعلنا جواب لو ولعل وجه العدول عن ضربنا أكبادها إليه للإيجاز أو للإيماء إلى أن كل أمر صعب كالسير في بحر والسفر في بر لو أمرتنا بفعله لفعلنا قال أي أنس فندب أي فدعا رسول الله الناس أي المهاجرين والأنصار فإنهم كانوا هم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا وهو مشهد معروف ويأتي بيانه فقال رسول الله أي لأصحابه هذا مصرع فلان أي مقتل فلان من الكفار وهذا مهلك فلان وهذا مطرح فلان حتى عد سبعين منهم ويضع يده على الأرض ههنا وههنا إشارة إلى خصوص تلك القطع من الأرض لزيادة توضيح المعجزة قال أي أنس فما ماط أي ما زال وبعد وتجاوز أحدهم أي من الكفار عن موضع رسول الله رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال وهو أي والحال أنه في قبة يوم بدر الحديث من جملة مراسيل الصحابة لأن ابن عباس ما حضر بدرا والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله وهو قوله اللهم أنشدك بضم الشين أي أطلبك وأسألك عهدك أي أمانك ووعدك أي انجازه اللهم إن تشأ أي عدم العبادة أو عدم الإسلام أو هلاك المؤمنين لا تعبد بالجزم على جواب الشرط بعد اليوم لأنه لا يبقى على وجه الأرض مسلم وفيه إشعار بأن الله سبحانه لا يجب
عليه شيء مع أنه لا خلف في وعده بل ولا في وعيده من حيث إنه لا يجوز الخلف في خبره فالخوف إنما هو لاحتمال استثناء مقدر أو قيد مقرر أو وقت محرر وهذا مجمل المرام في هذا المقام وأما تفصيل الكلام فقد قال التوربشتي يقال نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له أنشدتك الله أي سألتك بالله وقد يستعمل في موضع السؤال والعهد ههنا بمعنى الأمان يريد أسألك أمانك وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر فإن قيل كان النبي أعلم الناس بالله وقد علم أن الله سبحانه لم يكن (17/123)
ليعده وعدا فيخلفه فما وجه هذا السؤال قلنا الأصل الذي لا يفارق هذا الحكم هو أن الدعاء مندوب إليه علم الداعي حصول المطلوب أو لم يعلم ثم إن العلم بالله يقتضي الخشية منه ولا ترفع الخشية من الأنبياء عليهم السلام بما أوتوا ووعدوا من حسن العاقبة فيجوز أن يكون خوفه من مانع ينشأ ذلك من قبله أو من قبل أمته فيحبس عنهم النصر الموعود ويحتمل أنه وعد بالنصر ولم يعين له الوقت وكان على وجل من تأخر الوقت فتضرع إلى الله تعالى لينجز له الوعد في يومه ذلك وأما ما أظهر من الضراعة فقيل الأحسن أن يقال إن مبالغة رسول الله في السؤال مع عظم ثقته بربه وكمال علمه كان به تشجيع للصحابة وتقوية لقلوبهم لأنهم كانوا يعرفون أن دعاءه لا محالة مستجاب لا سيما إذا بالغ فيه قلت وفيه إشعار بأن من لم يقدر على المحاربة أو لم يؤمر بالمقاتلة فينبغي له حينئذ أن يدعو بالنصرة ليحصل له ثواب المشاركة فإنه لما رأى أصحابه أنهم توجهوا إلى الخلق رجع بنفسه إلى الذات المطلق وراجع ربه في طلب الحق قال الطيبي المراد بالوعد ما في قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم الأنفال ولعله استحضر معنى قوله تعالى إن الله لغني عن العالمين العنكبوت وقوله سبحانه والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم فاطر فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك أي يكفيك ما دعوت يا رسول الله ألححت على ربك أي بالغت في السؤال والجملة استئناف بيان للحال فخرج أي النبي من قبته وهو يثب بكسر المثلثة المخففة قبل الموحدة من الوثوب أي يسرع فرحا ونشاطا في الدرع أي حال كونه في درعه للمحافظة وعلى نية المقاتلة وهو يقول أي يقرأ ما نزل عليه سيهزم الجمع أي جمع الكفار ويولون أي ويدبرون الدبر بضمتين أي الظهر وقال شارح بضم الباء وسكونها ثم الجملة الثانية تأكيد للأولى ويمكن أن تكون الهزيمة كناية عن المغلوبية والمعنى سيغلب الجمع بل الحمل عليه أولى مراعاة للتأسيس كما لا يخفى رواه البخاري (17/124)
وكذا النسائي وعنه أي عن ابن عباس أن النبي قال يوم بدر قال النووي بدر ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة قال ابن قتيبة هو بئر كانت لرجل يسمى بدرا وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثانية من الهجرة هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أي على جبريل أداة الحرب أي آلته ولعله (17/125)
أظهر لأنس حتى أبصره كما يشير إليه قوله هذا لأنه في الأصل موضوع للمحسوس وبهذا يتبين وجه إيراد الحديث في باب المعجزات رواه البخاري وعنه أي عن ابن عباس رضي الله عنه قال بينما رجل أي أنصاري من المسلمين يومئذ يشتد أي يسرع ويعدو في أثر رجل بكسر الهمز وسكون المثلثة وفي نسخة بفتحهما أي في عقب رجل من المشركين أمامه أي واقع قدامه إذ سمع أي المسلم فالحديث من مراسيل الصحابة كما يدل عليه آخره ضربة أي صوت ضربة بالسوط فوقه أي فوق المشرك وصوت الفارس يقول أقدم بفتح الهمزة وكسر الدال بمعنى اعزم حيزوم أي يا حيزوم وهو اسم فرسه وفي نسخة بضمهما بمعنى تقدم قال النووي هو بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الدال من الإقدام قالوا وهي كلمة زجر للفرس أقول فكأنه يؤمر بالإقدام فإنه ليس له فهم الكلام وأما بالنسبة إلى فرس الملك فيمكن حمله على الحقيقة أو على خرق العادة ويؤيده النداء باسمه والله أعلم ثم قال وقيل بضم الدال وبهمزة وصل مضمومة من التقدم والأول أشهرهما وحيزوم اسم فرس الملك وهو منادى بحذف حرف النداء وقال شارح سمي بأقوى ما يكون من الأعضاء منه وأشد ما يستظهر به الفارس في ركوبه منه وهو وسط الصدر وما يضم عليه الحزام قلت ويمكن أن يكون فيعول للمبالغة من مادة الحزم وهو شدة الاحتياط في الأمر إذ نظر أي المسلم إلى المشرك أمامه خر مستلقيا أي سقط على قفاه فإذا هو أي المشرك قد خطم بضم الخاء المعجمة من الخطم وهو الأثر على الأنف فقوله أنفه للتأكيد أو إيماء إلى التجريد وقال شارح المصابيح أي كسر فظهر أثره اه وهو يشعر بأن
رواية المصابيح بالحاء المهملة كما لا يخفى والحاصل أنه جرح أنفه وشق وجهه أي قطع طولا كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع بتشديد الراء أي صار موضع الضرب كله أخضر أو أسود فإن الخضرة قد تستعمل بمعنى السواد كعكسة للمبالغة (17/126)
ومن قبيل الثاني قوله تعالى مدهامتان الرحمن فجاء الأنصاري فحدث رسول الله فقال صدقت فيه أن هذا الكشف كرامة للصحابي وكرامة الأتباع بمنزلة معجزة المتبوع لا سيما ووقوعه في حضرته حصوله لأجل بركته أو يقال أخبر الصحابي وهو ثقة بنقل صحيح عما يدل على نزول الملك للمعاونة وقد صدقه الصادق المصدوق في هذه المقالة فيصح عده من المعجزة ثم في قوله ذلك من مدد السماء الثالثة تنبيه على أن المدد كان من السموات كلها وهذا من الثالثة خاصة فالإشارة إلى الملك في ذلك وهو مبتدأ خبره ما بعده وأغرب الطيبي حيث أعرب وقال ذلك مفعول صدقت وقال إشارة إلى المذكور من قوله سمع ضربة الخ فقتلوا أي المسلمون يومئذ سبعين وأسروا سبعين وفي نسخة على بناء المفعول فيهما فضميرهما راجع إلى المشركين رواه مسلم وعن سعد بن أبي وقاص قال رأيت عن يمين رسول الله وعن شماله يوم أحد رجلين الظاهر أنهما على سبيل التوزيع بأن يكون كل منهما على جانب منه وإلا لكانوا أربعة عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال الكاف زائدة للتأكيد ذكره الطيبي ولا يظهر وجه كونه للتأكيد والأظهر أن معناه قتالا مثل أشد قتال رجال الإنس ما رأيتهما قبل ولا بعد أي فتعين أنهما من الملائكة وقوله يعني جبريل وميكائيل من قول الراوي أدرجه بيانا ولعله عرف ذلك من دليل رواه البخاري وعن البراء قال بعث رسول الله رهطا قال شارح الرهط ما دون العشرة من الرجال ليست فيهم امرأة وفي القاموس الرهط ويحرك من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه إلى أبي رافع قال القاضي كنيته أبو الحقيق اليهودي أعدى عدو رسول الله نبذ عهده وتعرض له بالهجاء وتحصن عنه
بحصن كان له فبعثهم إليه ليقتلوه فدخل عليه عبد الله بن عتيك بفتح فكسر بيته ليلا وهو نائم (17/127)
فقتله فقال عبد الله بن عتيك أي في صفة قتله فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره قال الطيبي عداه بفي ليدل على شدة التمكن وأخذه منه كل مأخذ وإليه أشار بقوله حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب ولعله بعد فتحها أولا ردها حفظا لما وراءه أو طلع عليه من طريق آخر حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي أي على ظن أني وصلت الأرض فوقعت أي سقطت من الدرجة في ليلة مقمرة بضم الميم الأولى وكسر الثانية أي مضيئة قال الطيبي يعني كان سبب وقوعه على الأرض أن ضوء القمر وقع في الدرج ودخل فيه فحسب أن الدرج مساو للأرض فوقع منه على الأرض فانكسرت ساقي فعصبتها بتخفيف الصاد ويشدد للمبالغة والتكثير أي شددتها بعمامة بكسر العين فانطلقت إلى أصحابي أي من الرهط الواقفين أسفل القلعة فانتهيت إلى النبي أي مع أصحابي فحدثته أي بما جرى لي وعلي فقال ابسط رجلك أي مدها فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط أي كأنها لم تتوجع أبدا رواه البخاري وعن جابر رضي الله عنه قال إنا أي نحن معاشر الأصحاب كنا يوم الخندق نحفر أي الأرض حول المدينة بيننا وبين الأعداء فعرضت أي ظهرت في عرض الأرض معارضا لمقصدنا كدية بضم الكاف وسكون الدال أي قطعة شديدة أي صلبة لا يعمل فيها الفأس فجاؤوا النبي فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقال أنا نازل أي في الخندق وبطنه معصوب أي مربوط بحجر أي من شدة الجوع ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا بفتح أوله أي مأكولا ومشروبا وهو فعال بمعنى مفعول من الذوق يقع على المصدر والاسم والجملة معترضة لبيان سبب ربط الحجر فأخذ النبي المعول بكسر الميم وفتح الواو بالفارسي كلند قاله شارح وفي القاموس المعول كمنبر الحديدة ينقر بها الجبال
فضرب فعاد أي انقلب الحجر وصار كثيبا أي رملا أهيل أي سائلا ومنه قوله تعالى وكانت الجبال كثيبا مهيلا المزمل قال القاضي والمعنى أن الكدية التي عجزوا عن رضها صارت بضربة واحدة ضربها رسول الله كتل من الرمل مصبوب سيال فانكفأت إلى امرأتي أي انقلبت وانصرفت إلى بيتها فقلت هل عندك شيء أي من المأكول فإني رأيت بالنبي خمصا بفتحتين ويسكن الثاني واقتصر عليه القاضي وسكت عنه الطيبي أي جوعا وسمي به لأن البطن يضمر به وفي المشارق لعياض رأيت به خمصا بفتح الميم أي ضمورا في بطنه من الجوع ويعبر بالخمص عن الجوع أيضا وقال السيوطي قوله خمصا بفتح المعجمة والميم وقد يسكن ومهملة اه والمراد به أثر الجوع وعلامته من ضمور البطن أو صفار الوجه ونحو ذلك من طول مكثهم وشدة كدهم على غير ذواق من غاية ذوقهم ونهاية شوقهم شديدا فأخرجت أي المرأة جرابا بكسر الجيم فيه صاع أي قدر صاع من شعير ولنا بهمة بفتح موحدة وسكون هاء قال النووي هي الصغيرة من أولاد الضأن ويطلق على الذكر والأنثى كالشاة وفي نسخة بهيمة وهي أصل المصابيح قال شارح له هي تصغير بهمة بفتح الباء وسكون الهاء ولد الضأن وقيل ولد الشاة أول ما تضعه أمه وقيل السخلة وهي ولد المعز داجن أي سمينة قاله صاحب المواهب وفي شرح مسلم ما ألف البيت ويؤيده ما في القاموس دجن بالمكان دجونا أقام والحمام والشاة وغيرهما ألفت وهي داجن فذبحتها وطحنت أي المرأة الشعير وفي نسخة بصيغة المتكلم والأول أوفق لقيام كل من الرجل والمرأة بخدمة تليق به مع تحقق المسارعة كما يدل عليه رواية البخاري ففرغت إلى فراغي اللهم إلا أن يؤول ويقال معناه أمرتها أو غيرها بالطحن حتى جعلنا أي بالاتفاق اللحم في البرمة أي القدر من الحجر وقيل هي القدر مطلقا وأصلها المتخذ من الحجر ثم جئت النبي فساررته قال النووي فيه جواز المسارة بالحاجة في حضرة الجماعة وإنما المنهي أن يناجي اثنان دون الثالث اه وفيه بحث لا يخفى والأظهر (17/128)
أن يقال إنما محل النهي توهم ضرر للجماعة فقلت يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا بالتصغير هنا للتحقير في جنب عظمة الضيف الكبير وطحنت بالوجهين صاعا من شعير والمقصود أن هذا قدر يسير وأصحابك كثير فتعال أنت ونفر معك وهو ما دون العشرة من الرجال ويطلق على الناس كلهم على ما في القاموس وكأنه نظر إلى المعنى الثاني لما فيه من الأمر الرباني فصاح النبي يا أهل الخندق إن جابرا (17/129)
صنع سورا بضم فسكون واو أي طعاما وفي القاموس السور الضيافة فارسية شرفها النبي فحي بتشديد الياء المفتوحة هلا بفتح الهاء واللام منونة وفي نسخة بغير تنوين والباء في بكم للتعدية أي اسرعوا بأنفسكم إليه قال النووي السور بضم السين غير مهموز هو الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا وهي لفظة فارسية وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله تكلم بالألفاظ الفارسية وهو يدل على جوازه وأما حي هلا فهو بتنوين هلا وقيل بلا تنوين على وزن علا ويقال حي هل ومعناه عليكم بكذا وأدعوكم بكذا وفي القاموس بسط لهذا المبنى والمعنى ولكن اقتصرنا على ما ذكرنا بناء على أن الجوع معنا والتعطش لما هنا فقال رسول الله لا تنزلن بضم التاء واللام برمتكم ولا تخبزن بفتح التاء وكسر الباء وضم الزاي عجينتكم حتى أجيء أي إلى بيتكم وجاء فأخرجت له أي أنا وفي نسخة بصيغة الواحدة عجينا أي قطعة من العجين فبصق فيه قال النووي هو بالصاد في أكثر الأصول وفي بعضها بالسين وهي لغة قليلة اه والمعنى رمى بالبزاق فيه وبارك أي ودعا بالبركة فيه ثم عمد بفتح الميم أي قصد إلى برمتنا فبصق أي فيها كما في نسخة وبارك ثم قال ادعي بهمز وصل مضموم وكسر عين أمر مخاطبة من دعا يدعو أي اطلبي خابزة قال النووي جاء في بعض الأصول ادعي على خطاب المؤنث وهو الصحيح الظاهر ولهذا قال فلتخبز معك يعني لروايته كسر الكاف وفي بعضها ادعوا بالواو أي اطلبوا وفي بعضها ادع واقدحي بفتح الدال أي اغرفي من برمتكم قال التوربشتي
يقال قدحت المراق أي غرفته ومنه المقدح وهو المغرفة سلك بالخطاب مسلك التلوين فخاطب به ربة البيت قال الطيبي لعله في نسخته فلتخبز معي بالإضافة إلى ياء المتكلم كما هو في بعض نسخ المصابيح فحمله على ما ذهب إليه وقد علم من كلام النووي أن معي لم ترد في رواية وإذا ذهب إلى ادعي فلتخبز معك لم يكن من تلوين الخطاب في شيء اه وهو غريب منه إذ مراد الشيخ أنه خاطبهم بصيغة الجمع أولا بقوله لا تنزلن ولا تخبزن ثم قال ادعي فلتخبز معك ثم قال واقدحي من برمتكم بالجمع بين الإفراد والجمع ثم قال ولا تنزلوها بصيغة الجمع المذكر على طريق الأول على سبيل التغليب فأي تلوين أكثر من هذا مع أن في الالتفات إليها بالأمر الخاص إشارة إلى أنها ربة البيت غير خارجة عن سنن الاستقامة في المقام وبهذا التقرير والتحرير تبين لك أنه لا فرق بين قوله فلتخبز معك أو معي في تلوين الكلام والله أعلم بحقيقة المرام قال جابر وهم أي عدد أصحابه ألف أي ألف رجل أكال في جوع ثلاثة أيام وليال فأقسم بالله لأكلوا أي من ذلك الطعام حتى تركوه أي متفضلا وانحرفوا أي وانصرفوا وإن برمتنا لتغط بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي لتفور وتغلي ويسمع غليانا كما هي أي ممتلئة (17/130)
على هيئة الأولى فخبر هي محذوف والمعنى تغلي غليانا مثل غليان هي عليه قبل ذلك قال الطيبي ما كافة وهي مصححة لدخول الكاف على الجملة وهي مبتدأ والخبر محذوف أي كما هي قبل ذلك وإن عجيننا ليخبز كما هو أي كما هو في الصحفة كأنه ما نقص منه شيء قال النووي قد تظاهرت الأحاديث بمثل هذا من تكثير طعام القليل ونبع الماء وتكثيره وتسبيح الطعام وحنين الجذع وغير ذلك مما هو معروف حتى صار مجموعها بمنزلة التواتر وحصل العلم القطعي به وقد جمع العلماء أعلاما من دلائل النبوة في كتبهم كالقفال الشاشي وصاحبه أبي عبد الله الحليمي وأبي بكر البيهقي وغيرهم مما هو مشهور وأحسنها كتاب البيهقي ولله الحمد على ما أنعم به على نبينا وعلينا بإكرامه متفق عليه وعن أبي قتادة صحابي مشهور أن رسول الله قال لعمار أي ابن ياسر حين يحفر الخندق حكاية حال ماضية فجعل يمسح رأسه أي رأس عمار عن الغبار ترحما عليه من الأغيار ويقول بؤس بضم موحدة وسكون همز ويبدل وبفتح السين مضافا إلي ابن سمية وهي بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية أم عمار وهي قد أسلمت بمكة وعذبت لترجع عن دينها فلم ترجع وطعنها أبو جهل فماتت ذكره ابن الملك وقال غيره كانت أمه ابنة أبي حذيفة المخزومي زوجها ياسرا وكان حليفه فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفه أي يا شدة عمار احضري فهذا أوانك واتسع في حذف حرف النداء من أسماء الأجناس وإنما يحذف من أسماء الأعلام وروي بؤس بالرفع على ما في بعض النسخ أي عليك بؤس أو يصيبك بؤس وعلى هذا ابن سمية منادى مضاف أي يا ابن سمية وقال شارح المعنى يا شدة ما يلقاه ابن سمية من الفئة الباغية نادى بؤسه وأراد نداءه ولذا خاطبه بقوله تقتلك الفئة الباغية أي الجماعة الخارجة على إمام الوقت وخليفة الزمان قال الطيبي ترحم عليه بسبب الشدة التي يقع فيها عمار من قبل الفئة الباغية يريد به معاوية وقومه فإنه قتل يوم صفين وقال ابن الملك اعلم أن عمارا قتله معاوية (17/131)
وفئته فكانوا طاغين باغين بهذا الحديث لأن عمارا كان في عسكر علي وهو المستحق للإمامة فامتنعوا عن بيعته وحكي أن معاوية كان يؤول معنى الحديث ويقول نحن فئة باغية طالبة لدم عثمان وهذا كما ترى تحريف إذ معنى طلب الدم غير مناسب هنا لأنه ذكر الحديث في إظهار فضيلة عمار وذم قاتله لأنه جاء في طريق ويح قلت ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم (17/132)
عليه ويرثى له بخلاف ويل فإنها كلمة عقوبة تقال للذي يستحقها ولا يترحم عليه هذا وفي الجامع الصغير برواية الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد مرفوعا ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وهذا كالنص الصريح في المعنى الصحيح المتبادر من البغي المطلق في الكتاب كما في قوله تعالى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي النحل وقوله سبحانه فإن بغت إحداهما على الأخرى الحجرات فإطلاق اللفظ الشرعي على إرادة المعنى اللغوي عدول عن العدل وميل إلى الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه والحاصل أن البغي بحسب المعنى الشرعي والإطلاق العرفي خص من عموم معنى الطلب اللغوي إلى طلب الشر الخاص بالخروج المنهي فلا يصح أن يراد به طلب دم خليفة الزمان وهو عثمان رضي الله عنه وقد حكي عن معاوية تأويل أقبح من هذا حيث قال إنما قتله علي وفئته حيث حمله على القتال وصار سببا لقتله في المآل فقبل له في الجواب فإذن قاتل حمزة هو النبي حيث كان باعثا له على ذلك والله سبحانه وتعالى حيث أمر المؤمنين بقتال المشركين والحاصل أن هذا الحديث فيه معجزات ثلاث إحداها أنه سيقتل وثانيها أنه مظلوم وثالثها أن قاتله باغ من البغاة والكل صدق وحق ثم رأيت الشيخ أكمل الدين قال الظاهر أن هذا أي التأويل السابق عن معاوية وما حكي عنه أيضا من أنه قتله من أخرجه للقتل وحرضه عليه كل منهما افتراء عليه أما الأول فتحريف للحديث وأما الثاني فلأنه ما أخرجه أحد بل هو خرج بنفسه وماله مجاهدا في سبيل الله قاصدا
لإقامة الفرض وإنما كان كل منهما افتراء على معاوية لأنه رضي الله عنه أعقل من أن يقع في شيء ظاهر الفساد على الخاص والعام قلت فإذا كان الواجب عليه أن يرجع عن بغية بإطاعته الخليفة ويترك المخالفة وطلب الخلافة المنيفة فتبين بهذا أنه كان في الباطن باغيا وفي الظاهر متسترا بدم عثمان مراعيا مرائيا فجاء هذا الحديث عليه ناعيا وعن عمله ناهيا لكن كان ذلك في الكتاب مسطورا فصار عنده كل من القرآن والحديث مهجورا فرحم الله من أنصف ولم يتعصب ولم يتعسف وتولى الاقتصاد في الاعتقاد لئلا يقع في جانبي سبيل الرشاد من الرفض والنصب بأن يحب جميع الآل والصحب رواه مسلم وعن سليمان بن صرد بضم ففتح مصروفا قال قال النبي حين أجلي بصيغة الفاعل وفي نسخة بالمفعول أي تفرق وانكشف الأحزاب عنه وهم طوائف من الكفار (17/133)
تحزبوا واجتمعوا لحرب سيد الأبرار في يوم الخندق ومنهم قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله تعالى النصر بأن أرسل عليهم ريح الصبا وجنودا لم يروها وهم الملائكة وقذف في قلوبهم الرعب فقال طلحة بن خويلد الأسدي النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال وهذا معنى الإجلاء فقال النبي أي حينئذ الآن أي فيما بعد هذا الزمان وعبر عنه بالآن للمبالغة في البيان نغزوهم أي ابتداء ولا يغزونا بتشديد النون ويخفف أي ولا يغزوننا كما في نسخة والمعنى لا يحاربوننا ففيه مشاكلة للمقابلة نحن نسير إليهم أي وهم لا يسيرون إلينا وكان الأمر كما أخبر فغزاهم بعد صلح الحديبية وفتح مكة وحصلت له الغلبة ولله الحمد والمنة قال الطيبي قوله الآن نغزوهم إخبار بأنه فل شوكة المشركين من اليوم فلا يقصدوننا البتة بعد بل نحن نغزوهم ونقتلهم ويكون عليهم دائرة السوء وكان كما قال فكان معجزة رواه البخاري وعن عائشة قالت لما رجع رسول الله من الخندق ووضع السلاح أي عن نفسه واغتسل أي أراد أن يغتسل أتاه جبريل وهو أي النبي أو جبريل وهو في اللفظ أقرب وفي معنى الحث أنسب ينفض رأسه من الغبار فقال أي جبريل قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم أي إلى الكفار وأبهمهم فقال النبي فأين أي أين أقصد وإلى من أخرج فأشار إلى بني قريظة وهم طائفة من اليهود حول المدينة وقد نقضوا العهد وساعدوا الأحزاب فخرج النبي إليهم أي ونصره الله عليهم وكيفية نصرته وبيان قصته في كتب السير وبعض التفاسير مبسوطة وما وقع له في كل قضية من المعجزات مضبوطة متفق عليه وفي رواية للبخاري قال أنس كأني أنظر إلى الغبار ساطعا أي مرتفعا في (17/134)
زقاق بني غنم بفتح غين معجمة وسكون نون قبيلة من الأنصار والزقاق بضم الزاي السكة موكب جبريل عليه السلام بالنصب على نزع الخافض على ما في صحيح البخاري وشرح السنة وأكثر نسخ المصابيح وفي بعضها بإثبات من والموكب بفتح الميم وكسر الكاف جماعة ركاب يسيرون برفق على ما في النهاية حين سار رسول الله إلى بني قريظة الظاهر أن ذلك الزقاق كان مهجورا من سير الناس فيه فرؤية الغبار الساطع منه تدل على أنه من أثر جند الملائكة والغالب أن رئيسهم جبريل عليه السلام وهو معهم أو هو مع النبي وإضافتهم إليه لأنهم كالأتباع له وعن جابر قال عطش الناس بكسر الطاء يوم الحديبية بالتخفيف أفصح ورسول الله بين يديه ركوة أي ظرف ماء من مطهرة أو سقاية فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه أي إلى جانب جنابه طالبين فتح الخير من بابه قالوا استئناف بيان ليس عندنا ماء بالمد نتوضأ به ونشرب أي منه إلا ما في ركوتك أي من الماء فما مقصورة موصولة والاستثناء يحتمل الاتصال والانقطاع ثم في القضية جملة مطوية وهي أن من المعلوم بحسب العادة أن ماء الركوة لم يكف الجماعة فوضع النبي يده في الركوة أي في جوفها أو في فمها فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون أي التي تخرج من بين صخور الجبال أو عروق الأرض قال فشربنا وتوضأنا أي جميعنا فطوبى لهم من طهارة الظاهر والباطن من ذلك الماء الذي هو أفضل من جنس الماء المعين والله الموفق والمعين قيل لجابر كم كنتم أي يومئذ حتى كفاكم ولما كان هذا السؤال غير مناسب في مقام المعجزة قال أي أولا في الجواب لو كنا مائة ألف أي مثلا لكفانا ثم قال تتميما لفصل الخطاب كنا خمس عشرة مائة قال الطيبي عدل عن الظاهر لاحتماله التجوز في الكثرة والقلة وهذا يدل على أنه اجتهد فيه وغلب ظنه على هذا المقدار وقول البراء في الحديث الذي يتلو هذا الحديث كنا أربع عشرة مائة كان عن تحقيق لما سبق في الفصل الثاني من باب قسمة الغنائم أن أهل (17/135)
الحديبية كانوا ألفا وأربعمائة تحقيقا وقول من قال هم ألف وخمسمائة وهم وقال الحافظ السيوطي الجمع أنهم كانوا أربعمائة وزيادة لا تبلغ المائة فالأول ألغى (17/136)
الكسر والثاني جبره ومن قال ألفا وثلاثمائة فعلى حسب اطلاعه وقد روي ألفا وستمائة وألفا وسبعمائة وكأنه على ضم الأتباع والصبيان ولابن مردويه عن ابن عباس كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين وهذا تحرير بالغ والله أعلم متفق عليه وعن البراء بن عازب قال كنا مع رسول الله أربع عشرة مائة يوم الحديبية والحديبية بئر بالهمز ويبدل فنزحناها أي نزعنا ماءها فلم نترك قطرة فبلغ النبي أي خبر نفاد مائها فأتاها فجلس على شفيرها أي طرفها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه أي مجه فيها ثم قال دعوها أي اتركوها ساعة لعله للإشارة إلى أن ساعة الإجابة وقعت تدريجية وأن المراد بها الساعة النجومية لا اللغوية أو المدة القليلة بحسب الإطلاقات العرفية فأرووا أي أسقوا سقيا كاملا أنفسهم وركابهم أي إبلهم أو مركوبهم واستمروا على ذلك حتى ارتحلوا أي سافروا عنها والظاهر أن قضية جابر متقدمة على هذه القضية وأن المعجزة في الحديبية متكررة والعجب من الناس عموما وخصوصا أنهم ما ضبطوا هذه البئر ولا جعلوا عليها من البناء الكبير رجاء للخير الكثير مع أنها قريبة من مكة على طرف حدة في طريق جدة رواه البخاري وعن عوف لم يذكره المصنف ولعله من أتباع التابعين عن أبي رجاء هو عمران بن تميم العطاردي أسلم في حياة النبي وروى عن عمر وعلي وغيرهما وعنه خلق كثير كان عالما معمرا وكان من القراء مات سنة سبع ومائة ذكره المؤلف في التابعين عن عمران بن حصين قال كنا في سفر مع النبي فاشتكى إليه الناس العطش فنزل فدعا فلانا أي شخصا معروفا كان يسميه أبو رجاء ونسيه عوف أي فعبر عنه بفلانا ودعا عليا أي أيضا